السبت، 29 أغسطس 2009

رفقا بأبنائنا .. وبنا

بسم الله الرّحمان الرّحيم
الحمد لله وحده والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ." (1)
قد يستغرب الإنسان من المنكر وأهله وكيف يتفنّنون في نشره في المجتمع, وقد يستغرب أكثر لما يشهده المنكر من طفرة إنتاجيّة في هذا الشّهر المبارك الذي تصفّد فيه الشّياطين بالأغلال فلا تبقى إلاّ آثارهم وما أعدّوه لبني آدم في بقيّة الشّهور, ولكنّ الغريب حقّا هو أن يصير المنكر معروفا تحت شعار "الثّقافة" وتحت نفس الشّعار يطبّع الإنسان علاقاته مع المنكر فلا يجد بعد ذلك حرجا في ترويجه بين أفراد أسرته وأبنائه؟؟
أقول هذا بعد شاء الله أن تكون الأيّام الثّلاثة الأخيرة قد مكّنتني من مشاهدة عشر دقائق كلّ ليلة من مسلسل يعرض مباشرة بعد الإفطار على القناة الوطنيّة الثّانية, تونس 21. فبعد الإفطار, أتوجّه إلى الغرفة التي تحوي التّلفاز لأكمل الدّقائق الأخيرة من مسلسل لا يسوؤني ما فاتني منه بقدر ما يسوؤني ما رأيت وسمعت: عبارات من أدنى معجم في اللّغة العاميّة يصرخ بها وترتفع بها الأصوات, جهر بالسّوء من القول في البيوت في ساعات البركة والرّحمة, خلخلة سلّم القيم بالابتذال المقصود في المظهر والقول والفعل وحتّى في تصوير المشاعر الرّاقية التي يمتاز بها الإنسان عن بقيّة المخلوقات. فيصبح اللّصّ بطلا ويصوّر الزّنا على أنّه علاقة بريئة ويصبح الخمر مشروبا عاديّا لا حرج فيه وغير ذلك كثير. عبارات من نوع "مصفارة", "عقرب" وعدّة حيوانات أخرى غير أنّ المعنيّ بها بشر كرّمه الله بالإنسانيّة فأبى إلاّ أن يكون كالأنعام, بل هم أضلّ سبيلا. وعبارات أخرى لا أسمح لنفسي بالتّلفّظ بها في المقاهي فضلا عن كتابتها بقلم أخشى أن يسائلني يوم القيامة عمّا أقحمته فيه عنوة من فحش المباني والمعاني.
هل بلغ الجهل وسوء التّقدير من القائمين على هذه القناة حدّ التّغاضي عن حرمة الشّهر وحرمة البيوت وحرمة الأسر التي يجتمع أفرادها من أطفال وشباب وكهول وشيوخ أمام التّلفاز في تلك السّاعة؟؟ ألم يعلموا أنّ ما تزرعه مثل هذه المسلسلات من ابتذال وانحدار أخلاقي وقيمي في أطفالنا لا يتغيّر بعد ذلك؟؟ هل هذه هي الثّقافة؟؟ هل هذه هو الفنّ والإبداع؟؟ ألا يكفي ما نراه ونسمعه يوميّا في الملاعب والمقاهي والأسواق والحافلات وحتّى في الشّوارع من أقوال وأفعال شباب تعطّلت بوصلته وتاه في الزّمان والمكان؟؟ إن كنّا نحاول في رمضان تحسين خلقنا وتزكية نفوسنا وإصلاح صيامنا بالبقاء في البيت هروبا ممّا يطاردنا خارجه من عري وفحش كلام وسوء طباع, فأين المفرّ الآن وقد طاردتنا هذه المنكرات إلى داخل البيوت؟؟
ثمّ لعلّ الأغرب من ذلك دفاع بعض "المثقّفين" عن هذه التّوجّهات بدعوى عرض الواقع والتّصدّر لمعالجة المشاكل الاجتماعيّة وغيرها من الشّعارات التي نسمعها كلّ سنة في مثل هذه المحافل والمناسبات. وهل أنّ علاج المشاكل يكون بالتّسويق لها؟ هل تعالج مشكلة "البراكاجات" بإخراجها في ثوب المعارك البطوليّة لقطّاع الطّرق؟ هل تعالج سرقة الأعمال الأدبيّة والفنّيّة بكسوتها ثوب الطّموح وتبريرها بالمشاكل النّفسيّة والعائليّة؟ ثمّ هل صار الحديث في موضوع مثل الزّنا وإظهار أهله مظهر الضّحيّة وكسوتهم بالبراءة والعفّة حلاّ لهذه المشكلة؟ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله, صدق الله الذي قال: "وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً"(2) وقال أيضا : "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(3).
لقد كان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مع الإيمان بالله شرط الخيريّة للأمّة المسلمة : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه"(4) كما كان التّقصير في واجب النّهي عن المنكر سبب لعن بني إسرائيل : "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"(5) فكيف بنا إذا صرنا نروّج لهذا المنكر ونقدّمه لأبنائنا ليتناولوه في طبق نسمّيه "الثّقافة" وكأس نسمّيها "الإبداع"؟ لقد كتب المفكّر الكبير الأستاذ فهمي هويدي تحت عنوان "محاكمة مثيرة لقيم المصريّين"(6) يتحدّث عن دراسة تمّت في مصر حول التّغيّرات التي طرأت على الشّخصيّة المصريّة في مستوى القيم والأخلاق, والحقيقة أنّ ما ذكر في التّقرير لا يعني مصر فقط بل يشمل كلّ بلداننا العربيّة عموما, ولا بدّ من الاعتراف بهذا كواقع اليم ومرير أهمّ اسبابه غياب التّربية والتّأطير وغياب العزم الحقيقي على معالجة أزمة القيم.
في تونس, يدفع المواطنون –جميعهم- معلوما ثابتا لفائدة مؤسّستي الإذاعة والتّلفزة التّونسيّة, وهذا المعلوم يدفعه الذي يعبد الشّاشة كامل اليوم والذي يقاطعها والمتّخذ بين أولئك سبيلا. فيستعمل هذا المبلغ إلى جانب دعم وزارة الثّقافة -المتأتّي من أموال الشّعب المدفوعة في الضّرائب- لإنتاج أعمال وبرامج تنشر قيما وأفكارا غريبة عن مجتمعنا وحضارتنا, ينكرها الدّين القويم والعرف السّليم والعقل الحكيم. ولازلت أذكر الحملة التي شنّها عدد من الصّحفيّين والمثقّفين على البرنامج الجريمة "سفيان شو" وأرجو أن يعوا أنّ مسلسلات رمضان أيضا تجد صداها وانتشارها لدى أطفالنا فيتصدّوا لهذه الجرائم بالمثل. وليعلم كلّ الآباء والأمّهات, أنّهم لن يستطيعوا تعليم أبنائهم برّ الولدين إن كان "أبطالهم" رموزا للعقوق, ولن يقدروا على تعليمهم الأمانة والصّدق ما دام "قدوتهم" من اللّصوص والكاذبين, ولن يلقّنوهم المعاني السّامية للزّواج ومقاصده إن لم يروا في مخيالهم غير المطلّقين, ولن تبلّغوهم احترام المرأة لذاتها إن كان كلّ ما يعرفونه عنها جسد عار تستغلّه لتصل به أرفع المناصب. ولن تعلّموهم أبدا معنى رمضان وآدابه وتعظيم شعائر الله ومراقبته في السّرّ والجهر إن كنتم أنتم أنفسكم أبعد ما يكون عن مقاصد الشّهر وغاياته.



(1) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه
(2) النّساء 27
(3) النّور 19
(4) آل عمران 110
(5) المائدة 78 - 79
(6) مقال نشر بموقع الجزيرة.نت

الجمعة، 14 أغسطس 2009

رسالة إلى المؤتمر

بسم الله الرّحمان الرّحيم

لا تتكلّم,
فليس ينفعك الكلام
لا تجادلني,
فجدالي مع أمثالك حرام
لا تبسمل أيّها المنافق,
فلن ينفعك ذكر اسم ربّ العزّة,
فبطنك ملأها لحم إخوانك,
وجيبك ملأته أموال شعبك,
ورأسك ملأته أفكار العدى,
والأوهام
يا آكل الخنزير وشارب الخمر,
لا تحمد الله فلن يسقط ذلك عن فعلتك صفة الحرام
يا أيّها المؤتمرون لا تصرخوا
ولا تندّدوا, ولا تستنكروا,
ولا تبرّروا, ولا تعلّلوا,
ولا تبحثوا في عن الأعذار في كتب السّياسة,
فقد بتنا نعرف قافية الكلام

تحدّثوننا عن السّلام؟؟
لن نسمع منكم ولو كلمة,
لن نقبل منكم ولو حجّة,
لن نفاوضكم على حبّة رمل
من أرض الإسراء والمعراج
والنّبوءات والرّسالات
والمقدّسات والبيت الحرام
تحدّثوننا عن السّلام؟؟
ومنذ ستّين سنة وأكثر
ونحن غرقى في دمانا
ونحن عطشى في مياهنا
ونحن نختنق تحت سمانا
ولم يبلغكم شيء من هذا
ولا تعرفون منه سوى
بعض القصائد, والأشعار,
والرّوايات والمسرحيّات,
وبعض أفلام الخيال العلمي الأجنبيّة والأوهام

تحدّثوننا عن السّلام؟؟
وعن طير الحماموعن العدل والمساواة
والدّيمقراطيّة والحرّيّة
وحقوق الإنسان
عن البيئة والطّبيعة
والأشجار والأنهار
والزّيتون وزهر الرّمّان
قتلتم كلّ الطّيور المهاجرة
ذبحتم كلّ الدّوابّ المسافرة
طاردتم كلّ الجوارح والطّيور الكاسرة
حاكمتم الحقوق فظلمت
طاردتم معاني الحرّيّة فسجنت
ولم يبق في أرضي إلاّ الحمام

تحدّثوننا عن السّلام؟؟
قبّلتم الأعادي والأوغاد
عانقتم كلّ أجناس البشر
سجدتم لكلّ البرلمانات والحكومات
والزّعماء وكلّ من أمر
عبدتم القرد والخنزير
وكلّ من كفر
استبدلتم قبلة الأقصى بحائط تسمّونه حائط المبكى
وبعد كلّ هذا تدّعون الإسلام
وتدّعون الولاية
وتطلبون منّا الطّاعة
ومن الفقراء القناعة
وتطلبون من شعبي بيعة ثمّ بيعة ثمّ بيعة
فأنتم حماة الحمى والدّين
وحرّاس العقيدة
وجنود الإله
وورثة الأنبياء
والعلماء
والخلفاء الرّاشدين
دينكم, دين مبتدع, جديد
لم يعرفه الأوّلون ولا الآخرون
لم يعرفه أحد قبلكم
فهو اختراعكم
نتيجة بحثكم في اللاّهوت
واجتهادكم في تطوير الشّريعة
والتّقريب بين الأديان
ودمجها, كالغلال في العصير
بمقادير,
إلهكم واحد, وقد يزيد,
فدينكم مرن, يحابي الظّرف ويتفاعل مع الواقع المتغيّر
كتابكم, خلاصة المواثيق والمعاهدات
والمفاوضات والاتّفاقيّات
هو مزيج فريد
بين إنجيل محرّف
وتوراة وتلمود
وأحكام قرآن, نسختموها عبر الزّمن
فلم يعد لها في دينكم أيّ وجود
كتابكم لم يحفظه الحافظون
ولم يكتبه الأتقياء والصّالحون
بل يكتب ويحفظ على الحواسيب
حيث توظّف التّكنولوجيا عندكم
في خدمة الآلهة والشّياطين
وحيث كبسة زرّ تكفي لنسخ آية
أو سورة
أو حتّى نسيان الكتاب

تحدّثوننا عن السّلام؟؟
والأمن, والأمان
والعيش الرّغيد
والملك العتيد
والتّاج والصّولجان
يا طاردا جدّي من بيته
ومن المروج الفتيّة
يا قاتلا أبي ببندقيّته
وممثّلا بجثّته الطّاهرة النّقيّة
يا آسرا أخي في سجونك
وفي أقبيتك النّديّة
يا مغتصبا أختي
وكلّ بنات بلدي
يا معتقلا ابني قبل أن يولد
وقبل أن أتزوّج أمّه
لازالت لي أمّ تنادي
لا زالت لي أمّ تؤمن بالنّصر خلف الجبال
تصلّي الفجروتخبز للمجاهدين فطور الصّباح
تؤمّ نساء الحيّ في صلاة الخوف
وصلاة الاستسقاء
وصلاة الكسوف والخسوف
في غياب الرّجال
ولا تنام اللّيل حتّى تطمئن
ّوتسمع خبراعن ابن لها شهيد
أو جريح
أو رهن الاعتقال

يا ايّها المؤتمرون
أترون الجموع, وهيجانهم
أتسمعون دعاءهم, وقرآنهم
أترون هذه الدّماء, والأشلاء
وما بقي من ثياب الشّهداء
أيا أصحاب الشّرعيّة, والمرجعيّة,
يا من خنتم الامانة,
ونقضتم بيعة الرّعيّة,
يا من تسمّون القاتل مجاهدا
والمقتول إرهابيّا,
يا من تسمّون العدوان نظاما
وردّه عملا تخريبيّا
لا تتكلّموا بعد اليوم
ولا تجادلوا بعد اليوم
وخذوا مؤتمركم بعيدا,
إلى القصور الفخمة,
أو إلى الملاهي اللّيليّة,
إلى ملاعب الغولف,
أو الاصطبلات الغربيّة,
إلى بيوت الدعارة,
أو إلى النّزل الأردنيّة,
فلا هذا وغيره سيغيّر من الأمر شيئا,
ولن يعيدكم إلى قلب القضيّة,
لقد سقطتم منها إلى الأبد,
ولن تعودوا
لا بحركتكم
ولا بمنظّمتكم
ولا تحت أيّة مرجعيّة...

الجمعة، 17 أبريل 2009

انهض للحياة!



بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين

إنّ الدّارس لمجتمعنا وخاصّة لفئة الشّباب التي تمثّل فيه الأغلبيّة يلاحظ مدى التّخبّط والضّياع والهامشيّة التي يعيشها الشّابّ التّونسي والتي تعود أساسا إلى غياب فهم واضح لهذه الحياة: ماهية الإنسان ودوره فيها والغاية التي يحيا لأجلها. ولعلّ أهمّ مظاهر هذا الفراغ الشّعور العميق باليأس والإحباط وهو ما يظهر في الارتفاع المتواصل لحالات الانتحار والرّغبة الكبيرة –لدى الشّابّ التّونسيّ- في ترك وطنه والهجرة إلى أوروبا (الحرقان كما يسمّى في تونس) رغم المخاطر المتزايدة لهذه العمليّة ورغم الإجراءات الزّجريّة والرّدعيّة التي اتّخذتها دول الضّفّة الشّماليّة للمتوسّط.

وتتجاوز نتائج هذا التّخبّط ما ذكرناه سابقا لتشمل بعض النّزعات السّلوكيّة التي ما فتئت تنتشر في مجتمعنا لتصبح أمراضا اجتماعيّة تهدّد مستقبل تونس وشعبها ! والمقصود هنا السّلبيّة التي صارت تميّز الشّابّ التّونسي وتؤدّي إلى تقاعسه عن أداء واجباته (عمل, دراسة) وتلهيه عن تنمية مكناته وقدراته وفكره وثقافته. إنّه وقت الفراغ الذي يمتدّ لساعات وأيّام وشهور وسنوات, إنّه ذلك الوقت الذي يمضي سدى دون أن يستغلّه الإنسان لا في علم ولا عمل ولا ثقافة ولا ترفيه ولا حتّى في راحة ! هو وقت يمضي إلى غير رجعة ويتمثّل في ذاكرة الإنسان "ثقبا أسود" لم يشعر فيه أنّه حيّ لأنّه, وببساطة لم يعشه حقّا. والحقيقة أنّ هذا الفراغ يفسّر عدّة ظواهر أخرى في مجتمعنا وأبرزها ما لحظناه في السّنوات الأخيرة من انتشار للمقاهي واكتظاظها بشباب يمضي يومه في مراقبة المارّين ولعب الورق وتحليل نتائج البطولة التّونسيّة لكرة القدم والبطولة الإيطاليّة والاسبانيّة وحتّى بطولة القسم الرّابع في مدغشقر ! أو تراه يناقش واقع الفنّ من منظور نقديّ عميق فيقارن بين "المزود" و"الرّاي" وبين "فنّان" وآخر. هذه عيّنة من اهتمامات شابّ لم يجد لحياته معنى ولم يدرك لوجوده غاية.

إنّ مقارنة الشّابّ التّونسي بنظيره في البلدان المتقدّمة تكشف اتّساع الهوّة بينهما, والمتّعمّق في دراسة أسباب هذا التّباين يجد نفسه في مواجهة حقيقة مهمّة طالما حاولنا إغفالها, فما يصنع هذا التّباين في حقيقة الأمر ليس التّفوّق المادّي ولا التّقدّم التّكنولوجي والتّقني, بل ذلك هو النّتيجة المنطقيّة لتباين في تصوّر "العلم" و"العمل" وشتّى مجالات الإنتاج الفكري والثّقافي والأدبي. فالإشكال كما بيّنّا ثقافي بالأساس, فلسفي في غياب تصوّر واضح للحياة ومعانيها, فكري في غياب التّكوين الرّوحي والنّفسي للشّاب. إنّ المخيال الشّعبي التّونسي أنتج في السّنوات الماضية ثقافة سلبيّة من تجلّيّاتها ما نسمعه من جنس "تقرا ولّا ما تقراش, المستقبل ما ثمّاش", شعارات تثبّط عزائم المجتهدين وتحبط الطّموحين وتجعل من التّلميذ النّجيب منبوذا في الوسط التّلمذي, ومن الطّالب المجتهد غريبا في الوسط الطّلاّبي ومن العامل المواظب استثناء في الوسط العمّالي... لقد أفرزت سنوات ما بعد الاستقلال في تونس عقليّة يأس وإحباط وقنوط غذّتها أحداث محلّيّة وعالميّة وانتشرت لتكوّن الثّقافة الشّعبيّة لدولة من دول العالم الثّالث مازالت تبحث عن بوصلة التّقدّم والرّقيّ ومازالت في بدايات سعيها لاستدراك قرون الرّكود والتّخلّف عن ركب الحضارة, فكان أن تخلّى عنها أبناؤها بقصد وبغير قصد وقايضوها بجلسات المقاهي ومقابلات كرة القدم وحفلات "ستار أكاديمي".

والحلّ, رغم بداهته, لم يفعّل لدى السّواد الأعظم من الشّعب التّونسي. وليس هذا القول لتثبيط العزائم والهمم ولكنّ استنهاض الشّباب لما فيه خيرهم وخير وطنهم وأمّتهم يستلزم معالجة عميقة للفراغ الثّقافي الذي سبّب هذا التّراخي كما يستلزم موقفا صارما من المروّجين لهذه الثّقافة الانهزاميّة ومن منابع تدفّقها. والموقف الصّارم الذي نقصده هو توفير البديل الفكري القادر على إعادة رصّ الصّفوف وتوحيد الجهود في معركة التّقدّم والرّقيّ. ولا بدّ من حماية المجتمع وخاصّة النّاشئة من هذه الرّواسب الفكريّة ومن ثقافة "اللاّثقافة": فهل يعقل أن يكون طموح أطفالنا كرة القدم و"ستار أكاديمي"؟ وهل يعقل أن تكون هيفاء وهبي وإليسّا قدوة لبناتنا وأن يكون لاعبو كرة القدم قدوة لأبنائنا؟ إن كانت الثّروة البشريّة هي كلّ ما يملكه هذا الوطن, فهل يعقل أن نعهد بها إلى أحضان المهرّجين ليصقلوا مواهبها ويفجّروا طاقاتها الإبداعيّة؟

لا يسعني ختاما إلاّ التّذكير بأسس النّجاح وهو الإخلاص في العمل والمثابرة : "وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب". صدق الله العظيم.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الاثنين، 23 فبراير 2009

اضرب صاروخ القسّام!

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله

شنّت القوّات الصّهيونيّة نهاية سنة 2008 حربا ضروسا مدمّرة على قطاع غزّة, اعتبرت من أشرس الحروب التي خاضتها منذ بداية الاحتلال قبل أكثر من 60 سنة. وقد كان الهدف المعلن لهذه الحرب تغيير ميزان القوّة في القطاع بتدمير القدرة الصّاروخيّة لكتائب الشّهيد عزّ الدّين القسّام (الجناح العسكريّ لحركة المقاومة الإسلاميّة – حماس) قبل أن تخفّض سقف الأهداف إلى الحدّ من هذه القدرة وتقليصها. وبغضّ النّظر عن حقيقة الأهداف المرسومة لهذه الحرب العسكريّة منها والسّياسيّة فإنّ لنا أن نسأل عن حقيقة هذه القدرة الصّاروخيّة, فهل هي مجرّد "صواريخ عبثيّة" كما سمّاها البعض؟ أم أنّها الطّرف الفلسطينيّ في ميزان الرّعب بالمنطقة؟

إنّ المتأمّل للقدرة العسكريّة لمختلف الفصائل الفلسطينيّة يميّز بوضوح صنفين من الأسلحة:

- أمّا الأوّل فهو أسلحة مستوردة (مهرّبة إلى القطاع) مصنّعة في بلدان أخرى مثل قذائف الآر. بي. جي. والهاون وصواريخ الغراد التي سجّلت حضورا نوعيّا في الحرب الأخيرة رغم محدوديّة كمّيّتها نظرا لصعوبة تهريبها إلى داخل القطاع.

- وأمّا الصّنف الثّاني فيضمّ الأسلحة المصنّعة محلّيّا مثل العبوات النّاسفة, الآر. بي. جي. والهاون (الذي استطاعت المقاومة أن تصنّعهما محلّيّا) وصواريخ الفصائل: القسّام (كتائب الشّهيد عزّ الدّين القسّام), قدس (سرايا القدس), أقصى (كتائب شهداء الأقصى) وغيرها. ويبقى صاروخ القسّام أشهر هذه الصّواريخ باعتباره الأكثر إطلاقا على المغتصبات الفلسطينيّة المجاورة لقطاع غزّة.

وصواريخ المقاومة (محلّيّة الصّنع) ومنها صاروخ القسّام طبعا تتميّز بقصر مداها (لا يتجاوز 15 كيلومترا) وضعف قدرتها التّفجيريّة (لا تتعدّى 5 كغ من المتفجّرات) ممّا يجعلها أشبه بالألعاب النّاريّة إذا ما قارنّاها بما يستخدمه جيش الاحتلال من صواريخ مدمّرة طويلة المدى وقنابل من مختلف الأصناف حتّى المحظورة منها (القنابل الفوسفوريّة) والتي ما زالت في طور الاختبار (قنابل الدّايم). ولعلّ مثل هذه المقارنات تؤدّي إلى رضوخ البعض من أصحاب النّفوس الضّعيفة والقلوب المريضة والانهزاميّين وركونهم وتقاعسهم عن نصرة المقاومة ودعمها كما يصل بالبعض الآخر إلى درجة مهاجمة هذه المقاومة وطعنها من الخلف.

والحقيقة أنّ هؤلاء لم يدركوا بعد أنّنا في القرن الواحد والعشرين ولسنا في القرون الوسطى وأنّ زمن الانتصارات التي تقاس بعدد الضّحايا قد ولّى إلى غير رجعة. ينسى هؤلاء أو يتناسون أنّه ومثلما يرتبط قرار الحرب والسّلم بالإرادة السّياسيّة, فإنّ قوّة الأسلحة وقدرتها تقاس بفاعليّتها السّياسيّة وبتأثيرها على صناعة القرار. ينسى هؤلاء أو يتناسون إرادة الشّعب المغتصبة أرضه أمام إرادة المحتلّ والمستوطن, فبينما تجد الأوّل مستعدّا لتقديم آلاف بل وملايين الشّهداء والمصابين دون أن يتحرّك أو يتراجع قيد أنملة, تجد الثّاني يفرّ إلى أقصى الأرض بمجرّد سماع صفّارات الإنذار. وهذه الحقيقة ليست سلوكا طارئا لدى المحتلّ, بل هي ثقافة راسخة عند المستوطنين منذ بداية الانتداب البريطانيّ في فلسطين وقد ظهرت واضحة للعيان في حرب 2006 بجنوب لبنان وتجلّت أكثر في ملحمة الفرقان بغزّة: فبينما انهمرت آلاف الأطنان من المتفجّرات على القطاع, وحرقت القنابل الأخضر واليابس, وفجّرت الصّواريخ المنازل والمساجد والإدارات وحتّى مؤسّسات الإغاثة, جاهد الفلسطينيّون للبقاء على أرضهم, بل إنّ من خرج منهم عبر معبر "رفح" لتلقّي العلاج عاد إلى غزّة أثناء الحرب وتحت "الرّصاص المصبوب", وفي الجهة المقابلة, كان سقوط بضعة صواريخ "بدائيّة الصّنع" على بعض المغتصبات كافيا لإيقاف كلّ مظاهر "الحياة" فيها: إخلاء المدارس والمؤسّسات والمصانع, اختباء في الملاجئ المحصّنة تحت الأرض وأكثر من ذلك "نزوح" نحو المناطق الأكثر عمقا والأكثر بعدا والمتواجدة خارج مدى الصّواريخ.

إنّ هذه الثّقافة الاستشهاديّة لدى المواطن الفلسطينيّ مقابل ثقافة الجبن لدى المحتلّ هي ما جعلت من الصّواريخ الفلسطينيّة سلاحا فعّالا وضاغطا على حكومات العدوّ وأسّست لما يسمّى "ميزان الرّعب" بين الجانبين: حيث صار العدوّ الصّهيونيّ يحسب لتلك الصّواريخ ألف حساب قبل أن يقدم على أيّ عمل أو أيّ تدخّل عسكريّ في القطاع.

إنّ الضّغط السّياسيّ الذي أوجدته صواريخ المقاومة على الدّاخل الصّهيونيّ أعاد إلى الأذهان النّقاش المفصليّ حول مفهومي النّصر والهزيمة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ هذا النّقاش ليس مستحدثا, فحتّى في الحرب العالميّة الثّانية كان عدد الضّحايا في كلّ من فرنسا وبريطانيا أكبر من أن تعلنا انتصارهما بنظر البعض. ولكن المنطق والزّمان صارا يؤكّدان ما يلي: إنّ إعلان أيّ حرب من طرف كيان على آخر يرتبط أساسا بمجموعة من الأهداف العسكريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة وانتصار هذا الكيان المهاجم يبقى رهينا بتحقيق تلك الأهداف أو المهمّة منها على الأقلّ. وعدم تحقيق هذه الأهداف يعني هزيمة هذا الكيان وانتصار خصمه في المعركة. بهذا المفهوم, وهذا التّعريف, ومن هذا المنطلق, تتوضّح للجميع نتائج الحرب الأخيرة على غزّة, فحتّى إن لم نعلم كلّ الأهداف المرسومة لها, فإنّنا نعلم أنّ أهمّها ونعني بذلك تجريد المقاومة من قدرتها الصّاروخيّة وإنشاء "وضع أمنيّ جديد بالمنطقة" لم تتحقّق بل وضربت الفصائل وبهذه الأهداف عرض الحائط عندما استمرّت في إطلاق الصّواريخ حتّى بعد توقّف القتال وانسحاب جيش العدوّ ! ولذلك فنحن نتمسّك بهذا الانتصار ونحتفل بهذا الانتصار وننشد لهذا الانتصار: اضرب صاروخ القسّام !

الثلاثاء، 17 فبراير 2009

في عيد ميلادك الخمسين

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى

إنّ المتأمّل للموارد الطّبيعيّة للبلاد التّونسيّة من مخزون طاقة وموادّ أوّليّة ومناخ وتضاريس وغيرها, يفاجأ بضعف تلك الموارد ومحدوديّتها, خاصة إذا تمّت مقارنتها بالبلدان المجاورة (ليبيا والجزائر). ولعلّ محدوديّة هذه الموارد جعلت تونس ومنذ الاستقلال تتّجه إلى بدائل ترتكز عليها في التّنمية وفي مسيرة التّطوّر والتّقدّم, فكان أن اختارت تونس التّركيز على طاقاتها البشريّة ممثّلة أساسا في الشّباب التّونسيّ الذي يمثّل نسبة هامّة من مجموع السّكّان في مجتمع حافظ على فتوّته رغم سيطرته على الانفجار السّكّانيّ ونجاحه النّسبيّ في معالجة المشاكل الدّيمغرافيّة. ولا يختلف اثنان حول الدّور المحوريّ الذي لعبته الجامعة التّونسيّة منذ تأسيسها إبّان الاستقلال في تكوين الإطارات والكفاءات العلميّة التي ساهمت في بناء الدّولة التّونسيّة الحديثة وكانت من أهمّ ركائز ومقوّمات التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة لتلك الدّولة الوليدة. إلاّ أنّه وبعد مرور خمسين سنة على تأسيس هذه الجامعة, صار من الواضح أنّها, وبتراكم الأزمات والنّكسات, فقدت ذلك الدّور المحوريّ وغابت عنها تلك الشّمعة المضيئة التي طالما قادتها في ربيعها. إذ أضحت هذه الجامعة أقرب إلى المؤسّسة الاقتصاديّة منها إلى المؤسّسة التّربويّة: فصار نجاحها يقاس بعدد الطّلبة "المستوعبين" في أروقتها بدل عدد الطّلبة المتغذّين من منابعها, وبعدد الطّلبة النّاجحين فيها لا عدد الطّلبة المتكوّنين بها, وعدد الأساتذة والمدرّسين لا عدد المبدعين على مدرّجاتها. صارت جامعتنا مؤسّسة لإحصاء عدد النّاجحين في الباكالوريا ثمّ تخريج عدد أقلّ منهم ب"شهادات" أشبه ما تكون بعدّادات السيّارات: تخبرك بعدد الأميال المقطوعة ولكنّها لا تستطيع أن تدلّك على الطّريق الذي سلكته فضلا عن ذلك الذي ستسلكه في المستقبل. فهل يمكن أن ننكر أنّ خرّيجي جامعتنا صاروا أقرب إلى آلات قادرة على تنفيذ أوامر دقيقة ومحدّدة (قد تكون صعبة) دون قدرتهم على فهم أسبابها وتحليلها؟ هل يمكن إنكار التّصحّر الثّقافيّ والفكريّ, فضلا عن اختلال ميزان القيم, الذي يعيشه طلبتنا وخرّيجو جامعتنا على حدّ سواء؟ هل يمكن التّغاضي عن كون جامعتنا, وفي سنة خمسينيّتها, صارت تهدف إلى إعداد موظّفين لا مثقّفين؟

إنّ الفرق بين جامعيّ متخرّج من كلّيّة تونسيّة وآخر من إحدى الدّول المتقدّمة علميّا وتربويّا يتلخّص في تلك الملكة المهمّة, تلك الخاصيّة الإنسانيّة بامتياز, في تلك الخصلة الفريدة التي تتعدّد لها التّسميات: الإبداع, الابتكار, التّجديد,... إنّها تتلخّص في ذلك الفرق الجوهريّ رغم بساطته, ذلك الخيط الرّفيع الذي يفصل بين العلم والثّقافة, وبين التّعليم والتّربية. إنّه في جوهره نفس الفرق بين الإنسان والآلة, بين عقل الإنسان والحاسوب, بين الذّكاء البشريّ والذّكاء الاصطناعيّ. إنّه كلّ ما يتّصل بالرّوح والإحساس, بالفنّ والقيم, بما يتجاوز المصطلحات إلى المفاهيم, ويتجاوز المبنى إلى المعنى. قد تستطيع آلة أن تخلط الألوان بمقادير دقيقة لإنتاج لون معيّن ولكنّها لم ولن تستطيع أن تقرّر جمال اللّون أو قبحه ! قد يستطيع حاسوب أن يطبّق نظريّة بيتاغور ليحسب طول الضّلع الثّالث لمثلّث قائم, ولكنّه لم ولن يستطيع أن يستنبط نظريّة بيتاغور ! كذلك بات واضحا أنّ روّاد جامعتنا وخرّيجيها قادرون على آداء وظائفهم في الشّركات والمصانع والإدارات وغيرها ولكنّهم عير قادرون على إنشاء تلك المؤسّسات, غير قادرون على ابتكار منتج جديد, غير قادرون على حلّ مشاكل مجتمعهم وبلادهم, غير قادرون على التّأسيس لوطن اسمه تونس قادر على الاندماج في عالم يزداد تأزّما يوما بعد يوم.

إنّ وضعيّة الجامعة التّونسيّة تقتضي تدخّلا عاجلا من كلّ الأطراف المعنيّة من طلبة ومدرّسين وإداريّين وصنّاع قرار, تدخّل يعيد إلى الجامعة مجدها ويعيد للمنارة ضوءها وللشّعلة نارها وبريقها. تدخّل يعيد للجامعة مجدا ضحّى من أجله شعب كامل ودفع له ثمنا باهظا قبل الاستقلال وبعده وناضلت من أجله أجيال تمسّكت بهذا الوطن ولم ترض له بديلا. نريد للجامعة أن تقوم بدورها وتؤدّي واجبها وتؤسّس لجيل من الشّباب قادر على الانطلاق نحو الرّقيّ والتّطوّر والازدهار مع التّمسّك بهويّته وحضارته وثقافته, قادر على إصلاح بوصلة هذا الوطن وقيادته نحو نهضة حقيقيّة تمسّ كلّ جوانبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة, قادر على إنجاز مهمّته في هذه الدّنيا وتحقيق معنى استخلافه في الأرض.

الثلاثاء، 10 فبراير 2009

حرّيّة التّعبير في الجامعة التّونسيّة

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله وحده والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده

تحيّة وبعد,

يبدو أنّ بعض أساتذتنا لم يفهموا بعد معاني الدّيمقراطيّة وحرّيّة التّعبير ومازالوا يعيشون وهما كبيرا لا يملك فيه الطّلبة إلاّ أن يتبنّوا آراء أساتذتهم الموقّرين ولا يحقّ لهم حتّى النّقاش. وأن يصدر هذا الموقف عن أستاذ رياضيّات أو فيزياء أو أيّ مادّة علميّة أخرى لا تحتمل تعدّد الآراء وتختزل الحقيقة في معادلات دقيقة وتخضعها لحتميّة تفرضها مجموعة من القواعد والمبادئ, فهذا أمر طبيعيّ ومقبول, ولكن أن يصدر هذا الموقف من أساتذة اللّغات والموادّ الأدبيّة, فهذا أمر غريب جدّا, وأن يصدر مثل هذا الموقف عن أستاذة اللّغة الفرنسيّة في المدرسة الوطنيّة لعلوم الإعلاميّة وفي حصّة تهدف إلى تعويد الطّالب على الحوار والتّعبير (exposé) فهذا أمر لا يقبله عقل ولا منطق, ولا يسكت عنه غيور على تونس والمستوى التّعليميّ في تونس.

كانت البداية بموضوع مهمّ ومحوريّ وحسّاس جدّا قدّمه ثلاثيّ طلاّبيّ في إطار واجب مدرسيّ تقليديّ يتمثّل في إعداد حوار بين طالبين يمثّلان رأيين مختلفين يسيّره الطّالب الثّالث, فكان أن اختارت هذه المجموعة موضوع "حقوق المرأة في تونس". ولعلّ الوجه المشرق في هذه الحادثة ما قام به الطّلبة من مجهود بحثيّ لا بدّ أن ينوّه, وما تميّز به تناول القضايا من عمق تحليليّ يؤكّد أنّ الطّالب التّونسيّ واع بمشاكله, حريص على النّهوض بواقعه ومستقبله. وكانت اللّحظة المفصليّة عندما طرحت قضيّة الحجاب, ومنعه في تونس عبر المنشور 108, وما تواجهه الفتاة المحجّبة في تونس من تضييقات ومعاناة يعلمها القاصي والدّاني. كانت هذه بداية "الهجمة" المضادّة التي شنّتها الأستاذة لتدافع عن "قانون" منع الحجاب متعلّلة بأنّه يرمز للانتماء إلى طائفة "متشدّدة" تريد أن "تفرض" على الشّعب تطبيق الشّريعة الإسلاميّة وكانت تحضّر "لانقلاب عسكريّ" لذات الغرض. والإشكال هنا لا يكمن في موقف الأستاذة من الحجاب أو من تطبيق الشّريعة أو من حركة محظورة, ولكنّ الإشكال يكمن في رفض الأستاذة النّقاش, ومنعها للطّلبة من التّعبير عن آرائهم, واكتفائها بمحاولة "تلقينهم" رأيا ووجهة نظر طالما سوّقت لها أطراف عدّة. لعلّ الأستاذة الكريمة ظنّت أنّ موقعها والسّلطة العلميّة التي تملكها يخوّلان لها تمرير أفكارها قسرا إلى الطّلبة المشتاقين إلى مثل هذه الحوارات والنّقاشات في غياب فضاءات حرّة ومستقلّة قادرة على تلبية هذه الحاجة لديهم وتحقيق طموحاتهم في إعلام حرّ ومسؤول ملتزم بقضاياهم ومشاغلهم.

أرجو أن لا تتكرّر مثل هذه التّصرّفات التي تجاوزها الزّمن وتجاوزتها الحضارة وانتهت مدّة صلاحيّتها فلم يعد الطّلبة يقبلون مثل هذه الممارسات, وعلى كلّ فإنّ مثل هذه الأحداث تسيء إلى جامعتنا وتساهم في تراجع مستوى تكوين الطّالب ثقافيّا, تكوين صار البحث عنه مهمّة صعبة جدّا ولم يعد متوفّرا في أغلب المعاهد والكلّيّات التّونسيّة.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.