السبت، 29 أغسطس 2009

رفقا بأبنائنا .. وبنا

بسم الله الرّحمان الرّحيم
الحمد لله وحده والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ." (1)
قد يستغرب الإنسان من المنكر وأهله وكيف يتفنّنون في نشره في المجتمع, وقد يستغرب أكثر لما يشهده المنكر من طفرة إنتاجيّة في هذا الشّهر المبارك الذي تصفّد فيه الشّياطين بالأغلال فلا تبقى إلاّ آثارهم وما أعدّوه لبني آدم في بقيّة الشّهور, ولكنّ الغريب حقّا هو أن يصير المنكر معروفا تحت شعار "الثّقافة" وتحت نفس الشّعار يطبّع الإنسان علاقاته مع المنكر فلا يجد بعد ذلك حرجا في ترويجه بين أفراد أسرته وأبنائه؟؟
أقول هذا بعد شاء الله أن تكون الأيّام الثّلاثة الأخيرة قد مكّنتني من مشاهدة عشر دقائق كلّ ليلة من مسلسل يعرض مباشرة بعد الإفطار على القناة الوطنيّة الثّانية, تونس 21. فبعد الإفطار, أتوجّه إلى الغرفة التي تحوي التّلفاز لأكمل الدّقائق الأخيرة من مسلسل لا يسوؤني ما فاتني منه بقدر ما يسوؤني ما رأيت وسمعت: عبارات من أدنى معجم في اللّغة العاميّة يصرخ بها وترتفع بها الأصوات, جهر بالسّوء من القول في البيوت في ساعات البركة والرّحمة, خلخلة سلّم القيم بالابتذال المقصود في المظهر والقول والفعل وحتّى في تصوير المشاعر الرّاقية التي يمتاز بها الإنسان عن بقيّة المخلوقات. فيصبح اللّصّ بطلا ويصوّر الزّنا على أنّه علاقة بريئة ويصبح الخمر مشروبا عاديّا لا حرج فيه وغير ذلك كثير. عبارات من نوع "مصفارة", "عقرب" وعدّة حيوانات أخرى غير أنّ المعنيّ بها بشر كرّمه الله بالإنسانيّة فأبى إلاّ أن يكون كالأنعام, بل هم أضلّ سبيلا. وعبارات أخرى لا أسمح لنفسي بالتّلفّظ بها في المقاهي فضلا عن كتابتها بقلم أخشى أن يسائلني يوم القيامة عمّا أقحمته فيه عنوة من فحش المباني والمعاني.
هل بلغ الجهل وسوء التّقدير من القائمين على هذه القناة حدّ التّغاضي عن حرمة الشّهر وحرمة البيوت وحرمة الأسر التي يجتمع أفرادها من أطفال وشباب وكهول وشيوخ أمام التّلفاز في تلك السّاعة؟؟ ألم يعلموا أنّ ما تزرعه مثل هذه المسلسلات من ابتذال وانحدار أخلاقي وقيمي في أطفالنا لا يتغيّر بعد ذلك؟؟ هل هذه هي الثّقافة؟؟ هل هذه هو الفنّ والإبداع؟؟ ألا يكفي ما نراه ونسمعه يوميّا في الملاعب والمقاهي والأسواق والحافلات وحتّى في الشّوارع من أقوال وأفعال شباب تعطّلت بوصلته وتاه في الزّمان والمكان؟؟ إن كنّا نحاول في رمضان تحسين خلقنا وتزكية نفوسنا وإصلاح صيامنا بالبقاء في البيت هروبا ممّا يطاردنا خارجه من عري وفحش كلام وسوء طباع, فأين المفرّ الآن وقد طاردتنا هذه المنكرات إلى داخل البيوت؟؟
ثمّ لعلّ الأغرب من ذلك دفاع بعض "المثقّفين" عن هذه التّوجّهات بدعوى عرض الواقع والتّصدّر لمعالجة المشاكل الاجتماعيّة وغيرها من الشّعارات التي نسمعها كلّ سنة في مثل هذه المحافل والمناسبات. وهل أنّ علاج المشاكل يكون بالتّسويق لها؟ هل تعالج مشكلة "البراكاجات" بإخراجها في ثوب المعارك البطوليّة لقطّاع الطّرق؟ هل تعالج سرقة الأعمال الأدبيّة والفنّيّة بكسوتها ثوب الطّموح وتبريرها بالمشاكل النّفسيّة والعائليّة؟ ثمّ هل صار الحديث في موضوع مثل الزّنا وإظهار أهله مظهر الضّحيّة وكسوتهم بالبراءة والعفّة حلاّ لهذه المشكلة؟ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله, صدق الله الذي قال: "وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً"(2) وقال أيضا : "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(3).
لقد كان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مع الإيمان بالله شرط الخيريّة للأمّة المسلمة : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه"(4) كما كان التّقصير في واجب النّهي عن المنكر سبب لعن بني إسرائيل : "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"(5) فكيف بنا إذا صرنا نروّج لهذا المنكر ونقدّمه لأبنائنا ليتناولوه في طبق نسمّيه "الثّقافة" وكأس نسمّيها "الإبداع"؟ لقد كتب المفكّر الكبير الأستاذ فهمي هويدي تحت عنوان "محاكمة مثيرة لقيم المصريّين"(6) يتحدّث عن دراسة تمّت في مصر حول التّغيّرات التي طرأت على الشّخصيّة المصريّة في مستوى القيم والأخلاق, والحقيقة أنّ ما ذكر في التّقرير لا يعني مصر فقط بل يشمل كلّ بلداننا العربيّة عموما, ولا بدّ من الاعتراف بهذا كواقع اليم ومرير أهمّ اسبابه غياب التّربية والتّأطير وغياب العزم الحقيقي على معالجة أزمة القيم.
في تونس, يدفع المواطنون –جميعهم- معلوما ثابتا لفائدة مؤسّستي الإذاعة والتّلفزة التّونسيّة, وهذا المعلوم يدفعه الذي يعبد الشّاشة كامل اليوم والذي يقاطعها والمتّخذ بين أولئك سبيلا. فيستعمل هذا المبلغ إلى جانب دعم وزارة الثّقافة -المتأتّي من أموال الشّعب المدفوعة في الضّرائب- لإنتاج أعمال وبرامج تنشر قيما وأفكارا غريبة عن مجتمعنا وحضارتنا, ينكرها الدّين القويم والعرف السّليم والعقل الحكيم. ولازلت أذكر الحملة التي شنّها عدد من الصّحفيّين والمثقّفين على البرنامج الجريمة "سفيان شو" وأرجو أن يعوا أنّ مسلسلات رمضان أيضا تجد صداها وانتشارها لدى أطفالنا فيتصدّوا لهذه الجرائم بالمثل. وليعلم كلّ الآباء والأمّهات, أنّهم لن يستطيعوا تعليم أبنائهم برّ الولدين إن كان "أبطالهم" رموزا للعقوق, ولن يقدروا على تعليمهم الأمانة والصّدق ما دام "قدوتهم" من اللّصوص والكاذبين, ولن يلقّنوهم المعاني السّامية للزّواج ومقاصده إن لم يروا في مخيالهم غير المطلّقين, ولن تبلّغوهم احترام المرأة لذاتها إن كان كلّ ما يعرفونه عنها جسد عار تستغلّه لتصل به أرفع المناصب. ولن تعلّموهم أبدا معنى رمضان وآدابه وتعظيم شعائر الله ومراقبته في السّرّ والجهر إن كنتم أنتم أنفسكم أبعد ما يكون عن مقاصد الشّهر وغاياته.



(1) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه
(2) النّساء 27
(3) النّور 19
(4) آل عمران 110
(5) المائدة 78 - 79
(6) مقال نشر بموقع الجزيرة.نت

هناك تعليق واحد:

  1. بارك الله فيك على هذا المقال !
    شهر رمضان هو شهر العبادة و القرأن فأصبح عند أكثر الناس شهرًا للمسلسلات و السهرات والأن صار شهرًا لترويج الفواحش و نشرها !!!!
    فلا حول و لا قوة إلا بالله !
    اللهم لاتأخذنا بما فعل و يفعل السفهاء منا !!!

    ردحذف