الأربعاء، 27 يناير 2010

إلى أخ غير شقيق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين

يتجاوز معنى الأخوّة في الإسلام القرابة الدّمويّة التي تربط شخصين ولدا لنفس الأب والأمّ لتشمل العلاقة بين كلّ شخصين شهدا أنّه لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله, بين كلّ من رضي بالله ربّا وبمحمّد رسولا وبالإسلام دينا وبالقرآن دستورا واختار لنفسه الجنّة هدفا وغاية. إلاّ أنّ هذه العلاقة تتطوّر عند من يحملون همّ الدّعوة إلى الله ونشر دينه وإعلاء كلمته لتكسر القيود الاصطلاحيّة التي يضعها أصحاب القواميس من جهة والفقهاء من جهة أخرى لتصبح واقعا يلمس في حياتهم وشعورا يغمر عواطفهم وسلوكا يضبط تعاملهم. فالفرق كبير وشاسع بين جمل تصاغ في كتب الفقه وواقع يلمس باليدين كما هو الحال بين رفاق الدّعوة والرّباط والجهاد.

وقد كان صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المثال الأسمى في تجسيد معاني الأخوّة عقيدة وفكرا, قولا وفعلا, تنظيرا وسلوكا. كيف لا وهم الذين ألّف الله بين قلوبهم "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (1) وبدّلهم بالعداوة أخوّة وبالتّقاتل رحمة وحلما "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً" (2) فتفجّرت سيرتهم عن صور برّاقة من التّوادّ والتّراحم والإخاء والإيثار, صور كانت السّبب وراء تماسك الأمّة عقودا من الزّمن وقدرتها على مواجهة ما يمكره لها أعداء الحقّ وأعطت بذلك درسا في صلابة ما اصطلح اليوم على تسميته "الجبهة الدّاخليّة".

كانت هذه العلاقة حجر الأساس في تكوين الأمّة الإسلاميّة, الأمّة التي قامت على وحدة العقيدة والفكر والسّلوك وعلى أخوّة ذات غاية واحدة لا تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان ولا تتبدّل بتنوّع الأشخاص والمجتمعات ولا تحيد عن سبيل واحد وغاية سامية ثابتة: قامت هذه العلاقة على حبّ الله والحبّ في الله والسّعي إلى رضوان الله.

وقد شهدت الأمّة الإسلاميّة عبر تاريخها أزمات عديدة ومراوحة بين الهزيمة والانتصار وبين التّقهقر والازدهار. والملاحظ أنّه كلّما شهد المجتمع فتور علاقة الأخوّة وانحرافها عن مسارها الحقيقي إمّا بالتّخلّي عن الأصل (بناء العلاقة على خلاف الأخوّة العقديّة) أو تغيّر الغاية (هدف دنيوي للعلاقة) كان ذلك المؤذّن بداية فترة التّقهقر والتّراجع والانحطاط الحضاري, والعكس صحيح. فكانت هذه العلاقة ومازالت محرارا يقاس به وعي الأمّة وتماسكها ويحدّد قدرتها على مواجهة التّحدّيات التي تواجهها "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسم بالحمى والسهر" (3). ولذلك كان سعي علماء الأمّة ومفكّريها كبيرا في ترسيخ هذه الأخوّة وتوضيح سماتها وإبراز أهمّيّتها وظهر ذلك جليّا مع دعاة الإصلاح والإحياء سلفا وخلفا واعتبروها أساسا لنهضة الأمّة ورقيّها فلم تخل كتب الفقه والفكر والتّربية من الدّعوة إلى إعادة بناء العلاقة على الأصل الصّحيح وربطها بالغاية الحقّ التي ارتبطت بها إبّان عصر النّبوّة والخلافة الرّاشدة.

أكتب هذه الكلمات وكلّي أسى ممّا أرى وألاحظ لدى شباب الأمّة من تفرّق وتشرذم وتناد بعصبيّات نبذها الإسلام واعتبرها "دعاوى الجاهليّة". كما أكتب هذه الكلمات وأنا أرى البعض ممّن يحملون همّ الأمّة على كواهلهم ينوؤون بحملهم ويتعثّرون تحت وطأة وثقل ما يحملون فيسقطون في فخاخ نصبها الشّيطان وأعداء الإسلام: فيجعلون من بعض الخلافات الفرعيّة محورا للولاء والبراء ومعيارا للإيمان والكفر وأصلا للحبّ والبغض.

إلاّ أنّ أكثر ما أخشاه وأنا أكتب هذه الكلمات لا يعدو أن يكون علاقة بيني وبين أخ, كانت الأيّام الماضية حاسمة في مفاصلة بيني وبينه على طريق الدّعوة بعد اختلاف في وجهات النّظر, فصار أخا "غير شقيق" لو صحّ المجاز, وخوفي من دسائس الشّيطان بيني وبينه فأردت أن أذكّره ونفسي أنّنا إخوة قبل هذا وبعده, فما جمعنا ثابت لم يتغيّر بين الأمس واليوم, وما جمعنا ثابت لن يتغيّر بين اليوم والغد.


1 – سورة الأنفال – الآية 63

2 – سورة آل عمران – الآية 103

3 - البخاري (5665)، مسلم (2586) عن النعمان بن بشير