الجمعة، 20 مايو 2011

الانتخابات ضرورة وليست خيارا

لا يخفى على أحد مدى انشغال التّونسيّين العميق وإحساسهم بالخوف من المجهول بعد كلّ حادثة عنف تقع في البلاد مهما كان مصدرها ومهما كانت خلفيّات مرتكبيها ودوافعهم الخفيّة لها, حتّى صار الجميع يحذّر من خطورة الملفّ الأمني وتأثيره على الملف السّياسي وعلى تحقيق أهداف ثورة الحرّيّة والكرامة في الانتقال المنشود نحو ديمقراطيّة حقيقيّة, انتقال أكّدت غالب الأطراف السّياسيّة في تونس أنّه يمرّ ضرورة عبر إجراء انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي في موعدها المقرّر ليوم 24 جويلية 2011 دون تأخير.

الهاجس الأكبر عند البعض هو أن تؤجّل الانتخابات بسبب "الانفلات الأمني" الذي يحدث هنا وهناك في كلّ مرّة, والهاجس الأكبر عند البعض الآخر هو ما قد يستتبع الانتخابات من انفلات أمني اعتبارا لما قد تسفر عنه الانتخابات من فوز هذا الفريق أو ذاك وتقدّمه إلى السّلطة, فوز قد لا يرضي بعض الأطراف القادرة على إحداث بلبلة وعنف في البلاد. لست أعني فقط من تسمّيهم وزارة الدّاخليّة "الإرهابيّين" وإن كنت لا أقصيهم من هذا الاحتمال, ولكنّني أقصد كلّ الأطراف المستعدّة لإدخال البلاد في حالة الفوضى من أجل الحفاظ على مصالحها. هذه الهواجس التي قد يظنّ البعض أنّ المدافعين عن موعد الانتخابات والمنهمكين في الإعداد لها سواء بالتّنظيم أو بالحملات الانتخابيّة, قد يظنّ البعض أنّ هؤلاء لا يلقون بالا لهذه الهواجس ولا يقرؤون حسابا لهذه الاحتمالات وغيرها, وهذا إن صحّ بالنّسبة للبعض فإنّه لا يصلح للتّعميم فالاختلاف ليس في الاعتراف بوجود الخطر ولكن في تقدير حجمه وليس في اعتبار مختلف الاحتمالات ولكن في تضخيمها وفي طريقة التّعاطي معها والتّفاعل مع مختلف السّيناريوهات الواردة وفي الآليّة المتّبعة لتجنّب الوقوع في مثل هاته المخاطر والمهالك.

بعض الأطراف اعتبرت أنّ الحلّ هو تأجيل الانتخابات تجنّبا لما قد يحدث وإعانة للأحزاب التي مازالت تتلمّس طريقها في العمل الحر والاحتكاك بالجماهير المتعطّشة لتلبية احتياجاتها وتطلّعاتها بعد الثّورة. حلّ لا أراه يزيد النّار إلاّ لهيبا.

من وجهة نظري فإنّ أفضل حلّ لكلّ هذه المشاكل المحتملة هو المضيّ قدما في طريق الانتخابات إذ أنّها وحدا الكفيلة بنقل البلاد من حالة الفراغ القانوني والدّستوري وغياب الشّرعيّة والمصداقيّة إلى حالة استقرار يكفلها وجود سلطة منتخبة هي المجلس الوطني التّأسيسي الذي تنبثق عنه أجهزة وسلطات (حكومة, رئاسة جمهوريّة...) تحظى بالشّرعيّة القانونيّة والسّلطة الأدبيّة والأخلاقيّة وتستطيع أن تتعامل مع مختلف الملفّات الحسّاسة والدّقيقة وعلى رأسها الملفّ الأمني بالمصداقيّة والشّفافيّة المطلوبتين وفي ظلّ زخم والتفاف شعبي حول المرجعيّة الوحيدة المنبثقة عن الإرادة الحرّة للشّعب ألا وهي المجلس الوطني التّأسيسي.

إنّ أيّة محاولة لتأجيل الانتخابات المقرّرة ليوم 24 جويلية لن تساهم إلاّ في ازدياد العنف وستنتج حالة من الانفلات الأمني التي سيصعب تجاوزها. إذ أنّ أحد أهمّ أسباب هذا الانفلات غياب الشّرعيّة القانونيّة والشّعبيّة عن الحكومة المؤقّتة وعدم قدرتها على اتّخاذ أيّة إجراءات دون أن تكون عرضة للانتقاد اللاّذع واحتجاج المعارضين لهذه القرارات. ونحن إن سلّمنا جدلا بصحّة الرّواية الرّسميّة والتّفسير الذي قدّمته الحكومة سواء لأحداث شارع الحبيب بورقيبة التي أعقبت تصريحات وزير الدّاخليّة السّابق, السّيّد فرحات الرّاجحي, أو لغيرها من حالات الانفلات الأمني في الأسابيع الأخيرة, فإنّ حالة غياب الشّرعيّة هي العلّة التي استغلّتها بعض الأطراف من أجل التّحريض على العنف والشّغب.

ختاما, وحدها حكومة منبثقة عن إرادة الشّعب وحائزة على ثقته تستطيع أن تعبر بالبلاد إلى المرحلة القادمة وتتجاوز مختلف المنعرجات والمزالق الخطيرة وتعالج مختلف الملفّات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة.

الخميس، 28 أبريل 2011

مخاض الثّورة التّونسيّة .. "تسييس" الجامعة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مخاض الثّورة التّونسيّة .. "تسييس" الجامعة

منذ عودة الطّلبة إلى مقاعد الدّراسة بعد 14 جانفي, تعالت بعض الأصوات هنا وهناك لتحذّر من "تسييس" الجامعة ودخول الأحزاب إلى هذا الفضاء الحيوي والحسّاس. دعوات استندت في معظمها لما سمّته "التّاريخ الدّموي" للصّراعات الحزبيّة داخل الجامعة التّونسيّة وطالبت بتحييد هذا المجال حتّى يبقى فضاء للعلم والتّعلّم.

لا أريد أن أدخل هنا في نقاش حول أسباب العنف الذي شهدته الجامعة التّونسيّة كما لا أريد أن يصبح هذا المقال لائحة اتّهام لطرف دون آخر ومحاولة لتحميله مسؤوليّة ما حدث في السّبعينيّات والثّمانينيّات من القرن الماضي فليس هذا المجال المناسب لمثل هذا النّقاش كما أنّ الوقت لا يبدو لي ملائما لإعادة هذه الأحداث إلى الذّاكرة الشّعبيّة, فالبلاد تعيش وضعا دقيقا ومرحلة انتقاليّة حاسمة تحتاج فيها إلى كلّ أبنائها ويحتاج فيها أبناؤها إلى التّحلّي بأقدار كبيرة من المسؤوليّة من أجل العمل المشترك على إنجاح ثورة ما فتئت تتعرّض لمحاولات الالتفاف.

بالعودة إلى موضوع تحييد الفضاء الجامعي, لا بدّ, من وجهة نظري, من التّمييز بين مسألتين جدّ مختلفتين هما "تحييد الجامعة" و"تحييد الفضاء الجامعي". فإذا كان المقصود هو تحييد الجامعة بما هي مؤسّسة عموميّة تديرها الدّولة ويمتلكها الشّعب, كلّ الشّعب, ويتمثّل دورها في التّعليم والتّثقيف والعمل على تكوين جيل واع من الشّباب التّونسي, فإنّ تحييدها أمر طبيعي في أيّ نظام ديمقراطي وهي مسألة لا أظنّ أنّ الشّعب التّونسي ينقسم حولها, كما لا أظنّها موضع غموض لدى "مؤسّسة الجامعة" نفسها. وعلى كلّ حال لن يقبل الشّعب التّونسي, وخاصّة الطّلبة, أن تتحوّل مؤسّسة الجامعة إلى بوق للدّعاية الحزبيّة ولابتزاز الشّباب في مواقفهم وانتماءاتهم السّياسيّة كما كانت في عهد النّظام البائد.

أمّا إن كان المطلب هو "تحييد الفضاء الجامعي" بمكوّناته المادّيّة والمعنويّة وخاصّة البشريّة وأن تصير السّياسة موضوعا محرّما في الجامعة فإنّ هذه الدّعوة تبدو غير منطقيّة لعدّة أسباب:

أوّلا: لما يعيشه الشّعب التّونسي عموما من حالة حراك سياسي متواصل منذ 14 جانفي والطّلبة ليسوا بمعزل عن هذا الحراك.

ثانيا: أنّ الجامعة التّونسيّة كانت ومازالت أكثر المجالات انغماسا واستغراقا في السّياسة بالبلاد, بل إنّها تكاد تكون الفضاء الوحيد الذي شهد حراكا سياسيّا وفكريّا حقيقيّا, على سلبيّاته, طيلة عقود القمع والإرهاب. حيث كانت فضاء تتلاقى فيه مختلف التّيّارات الفكريّة والسّياسيّة للتصارع وتتنافس حينا, وللتحالف وتتعاون حينا آخر في نضالها من أجل تكريس قيم الحرّيّة والعدالة والكرامة والدّيمقراطيّة.

ثالثا: لحجم العنصر الطّالبي في تونس و"ثقله الانتخابي", حيث تضمّ الجامعة التّونسيّة حوالي 400 ألف طالب كلّهم لهم حقّ الانتخاب. ممّا يجعل الأحزاب تتنافس على استقطابهم.

رابعا: لدور الطّلبة الطّلائعي خلال الثّورة قبل وبعد 14 جانفي. فإن كان المعطّلون عن العمل أصحاب الفضل بالمبادرة الاحتجاجيّة فإنّ دور الطّلبة كان حاسما ومحدّدا في حسم المعركة لصالح الشّعب, كما أنّ دورهم في إفشال مخطّطات الالتفاف على الثّورة كان بارزا خاصّة في اعتصامي القصبة الأوّل والثّاني.

خلاصة القول, إنّ المطالبة بتحييد الفضاء الجامعي وإفراغه من الاهتمام بالسّياسة والمشاركة فيها تذكّرنا بما اعتمده النّظام البائد من مبرّرات للقمع حيث كان يتعلّل دائما بالخوف من العنف الحزبي والحروب الأهليّة. وأعتقد أنّ الشّعب التّونسي الذي أنجز ثورة أطاحت بأعتى الدّيكتاتوريّات واستطاع أن يقف بالمرصاد لمحاولات إجهاضها ومازال مستنفرا من أجل تحقيق كافّة أهدافها ومطالبها وحمايتها من محاولات الالتفاف أيّا كان مصدرها, أعتقد أنّ هذا الشّعب يستحقّ أن يعيش ديمقراطيّة حقيقيّة تشمل الفضاء الجامعي ويساهم في تكريسها الطّلبة إلى جانب كلّ قطاعات هذا الشّعب. كما أعتقد أنّ الأحزاب السّياسيّة, على ما تعيشه من مخلّفات الحقبة السّابقة, وعلى وضوح هناتها والإشكاليّات التي تحيط بها, أعتقد أنّ هذه الأحزاب بلغت من النّضج والوعي ما يؤهّلها أن تخوض حملاتها الدّعائيّة وتفعّل برامجها للاستقطاب في مناخ ديمقراطي حقيقي يقبل فيه الجميع نتائج الفرز الشّعبي عبر الانتخابات مادامت هذه الانتخابات حرّة ونزيهة وشفّافة ومادام الجميع يحترم قواعد اللّعبة الدّيمقراطيّة.

الثلاثاء، 1 يونيو 2010

حتّى يصل أسطول الحرّيّة

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين

مرّة أخرى, يضرب العدو الصّهيوني موعدا مع الغدر والخيانة والإرهاب, وتضرب الأمّة موعدا مع الغفلة والسّبات العميق. إرهاب دولة, هكذا وصف رئيس الوزراء التّركي رجب طيّب أردوغان الجريمة الوحشيّة التي اقترفتها قوّات العدو في عرض البحر أثناء اعتراضها لقافلة أسطول الحرّيّة السّاعية لكسر الحصار الظّالم على قطاع غزّة. بأسلوب يذكّر الإنسانيّة بحكايات القرصنة, أسلوب مشابه لقراصنة "جزيرة الكنز" تلك القصّة التي طالعناها في المرحلة الابتدائيّة وحملتنا في عالم من الخيال حيث القرصان أعور العين اليسرى وله يد مبتورة, مع اختلافات عميقة في الوصف هذه المرّة : فقراصنة هذا العصر لهم عوضا عن العيون أقمار اصطناعيّة, وعوض الأيدي صواريخ وقنابل وعوض السّيوف يستعملون البنادق والأسلحة الأمريكيّة. هي جريمة أخرى إذن تزيّن السّجلّ المشرّف لكيان قام على الغصب والإرهاب فلم يكن حصار غزّة لأكثر من ألف يوم كافيا بنظر القيادة الصّهيونيّة, ولم تكن حرب السّنة الماضية كافية لتلقين غزّة درسا بسبب انتخاب حماس, ولم يكن اغتيال القادة ومطاردتهم حتّى خارج القطاع كافيا لشفاء غليل الحقد الصّهيوني على هذا القطاع ومن ورائه أمّة الإسلام قاطبة.

وكعادتها مع كلّ اعتداء, أتحفتنا القيادات العربيّة بمواقفها "المستنكرة" و"المندّدة" التي تصاعدت هذه المرّة لتصل حدّ "التّحذير شديد اللّهجة". مواقف تأخّرت في صدورها, وليس ذاك بالمستغرب, فقلّة من يستيقظون لصلاة الفجر في أمّة القرن الحادي والعشرين وكما قال شيخنا القرضاوي "من خان حيّ على الصّلاة .. يخون حيّ على الكفاح". فلا غرو إذن أن تأتي المواقف باهتة مثل مشاركة البلدان العربيّة في قافلة شريان الحياة, ولا غرو أن يكون تواطؤ بعض الحكومات مع العدو واضحا مثل تواطئها معه في حصار القطاع الأبي, ولا غرو أن يلاحظ القاصي والدّاني تلك الهوّة الشّاسعة بين مواقف شعبيّة نابضة بعاطفة الأخوّة في الله ومواقف رسميّة سليبة القرار والمرجعيّة.

نقطة بيضاء ناصعة تلك التي تسجّلها تركيا مرّة أخرى بمواقفها الجريئة وحراكها شعبا وقيادة, هي نقطة بيضاء مضيئة كوجه ذلك القائد المظفّر الذي صار في السّنوات الأخيرة رمزا إسلاميّا دولة الرّئيس رجب طيّب أردوغان. ونقاط كثيرة سوداء لا يفوقها ظلمة وسوادا إلاّ وجوه أصحابها هي تلك المواقف الرّسميّة العربيّة السّاجدة للعدو ومن ورائه بيتهم الحرام الجديد وقبلتهم الجديدة : البيت الأبيض.

علماؤنا أيضا كعادتهم حاضرون وبقوّة : مداخلة الشّيخ وجدي غنيم والشّيخ محمّد الحسن ولد الدّدّو على قناة الأقصى, مداخلة الشّيخ عائض القرني والشّيخ سلمان العودة على قناة العربيّة, ودعوة شيخنا العلاّمة الدّكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين لجعل يوم الجمعة يوما للغضب نصرة لغزّة وأهلها وروّاد الحرّيّة. مواقف مشرّفة لم تغب يوما من علماء نذروا أنفسهم لخدمة قضايا أمّتهم ولم يخشوا في الله لومة لائم. مواقف لا يفوقها إيجابيّة سوى سلبيّة بقيّة الدّعاة وأشباه العلماء ممّن اعتدنا أصواتهم عند الحديث عن خلاف فقهي حول مسائل الطّهارة والحيض والنّفاس, واعتدنا صراخهم بشعارات اتّباع الحقّ وإنكار الباطل, شعارات لا تكاد تجد لها تطبيقا عند "علماء" شهدت لهم المخابرات الأمريكيّة بالاعتدال وطلبت من الدّول العربيّة دعمهم ونشر فكرهم.

جريمة لم يتوقّعها أكثر المتشائمين, ووحشيّة – رغم كونها سمة مميّزة للعدو – لم تخطر على منظّمي الحملة كما المتابعين لها. ويبقى الأمل أن لا تمرّ مثل سابقاتها من الجرائم وأن لا تنسى الشّعوب ما حدث عند عرض الحلقة القادمة من "ستار أكاديمي" أو حفل افتتاح كأس العالم.

الأربعاء، 10 فبراير 2010

ركب الشّهيد

ركب الشّهيد

سلام على أهل الشّهادة أينما *** ذاد الموحّد عن العقيدة والحما
أهل الشّهامة والرّجولة والتّقى *** أهل الجهاد من للقتال تقدّما
أحفاد الصّحابة والأئمّة, من دعا *** لله, في الله لا يخشى لائما
من باع نفسه للإله ولم يزل *** يسعى لجنّة عرضها عرض السّما
من اشترى الأخرى بنفس عزيزة *** وقلب لم يزل بالله مستعصما

قد كان لأمّتي مثل هؤلاء منذ زمن
ولم تزل من بعدهم تتذكّر الأمجاد
والنّصر, والفتوحات..
والجهاد..
البعض, في كتب التّاريخ يقرؤونه
وآخرون, في خطب الجمعة يسمعونه
ولا يفقهونه
ولا يفهمون منه شيئا,
إلاّ الدّعاء لحاكم البلاد..
ولعلّ ذلك أغرب ما في الأمر
ففي بلداننا..
والجمع ها توصيف لواقع مرير
وليس تكريسا للتّفرّق والتّشرذم
في بلداننا يجوز الدّعاء لصاحب البنك
وهو آكل ربا,
ويجوز لك الدّعاء لمديرك في العمل
وهو الذي حرمك أحلام الصّبا,
ويجوز لك الدّعاء للشّرطي
وهو من أوقفك خارج الدّوام
بلا زيّ رسمي,
ومنعك من صلاة الصّبح
وحرمك أجر الجماعة
وأوجب عليك حلق لحيتك
وحبس أختك في البيت
واشترط لخروجها نزع الحجاب
والميوعة, والخلاعة,
في بلادنا يجيد الأئمّة فنّ الدّعاء
وأقول فنّ,
لأنّه حكر على الأتقياء
والمثقّفين..
يتلى في خطب الجمعة
فيؤمّن عليه مصلّيان
ويأبى البقيّة إلاّ البراءة
من كلّ ما يزرع شبهة في الإيمان..
غير أنّ الدّعاء لوليّ الأمر ليس بدعة
وليس من محدثات هذا الزّمان
فقد ورد فيه أمر نبوي,
وسنّة اتّبعها الصّحابة,
وإجماع أئمّة,
وقياس, واستحسان..
إلاّ أنّ الإشكال يبقى في تعريف "وليّ الأمر"
والمصطلح حمّال أوجه
فوليّ الأمر هو صاحبه
والمسؤول عنه
والمثاب والمعاقب عليه
كالأب يزوّج ابنته,
وقائد الجيش يقود فصيلته,
والحاكم يحكم رعيّته,
والقاعدة الشّرعيّة معروفة في هذا المجال
فالحاكم مطاع أبدا
ما لم يأمر بمعصية الرّحمان..
والمعصية أيضا مصطلح صعب
وخطير..
فمنه الزّنا والرّبا..
والسّرقة والكذب..
وغير ذلك كثير..
ويبقى أخطره الخذلان
يا أهل غزّة صبركم على أمّة
لا تجتمع على ضلالة
غير أنّ أولي أمرها
كاد يجمعهم العصيان..
ولغزّة في قلوب المؤمنين مكانة
لا توصف في أبيات الشّعر
ولا في سطور النّثر
فهي كما تبدو لهم أمل جديد
أمل في ميلاد أمّة
أو قل في شفاء الوليد
هي أمّة قامت لها الدّنيا في قرون خاليات
فلم تتزحزح عن ثوابتها
ولم تزل تقود الدّنيا
بنفس الشّرع والحكم الرّشيد
حتّى أتاها من أهل الضّلال كبارهم
ومن أهل الصّغار صغارهم
وصارت تسير في هذه الدّنيا
بلا وجهة ولا قبلة
ولا أب يحنو على الوليد..
فكادت تصير حطاما
لولا غزّة
ولولا كثرة من ينتظر
ليلحق ركب الشّهيد..