الثلاثاء، 1 يونيو 2010

حتّى يصل أسطول الحرّيّة

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين

مرّة أخرى, يضرب العدو الصّهيوني موعدا مع الغدر والخيانة والإرهاب, وتضرب الأمّة موعدا مع الغفلة والسّبات العميق. إرهاب دولة, هكذا وصف رئيس الوزراء التّركي رجب طيّب أردوغان الجريمة الوحشيّة التي اقترفتها قوّات العدو في عرض البحر أثناء اعتراضها لقافلة أسطول الحرّيّة السّاعية لكسر الحصار الظّالم على قطاع غزّة. بأسلوب يذكّر الإنسانيّة بحكايات القرصنة, أسلوب مشابه لقراصنة "جزيرة الكنز" تلك القصّة التي طالعناها في المرحلة الابتدائيّة وحملتنا في عالم من الخيال حيث القرصان أعور العين اليسرى وله يد مبتورة, مع اختلافات عميقة في الوصف هذه المرّة : فقراصنة هذا العصر لهم عوضا عن العيون أقمار اصطناعيّة, وعوض الأيدي صواريخ وقنابل وعوض السّيوف يستعملون البنادق والأسلحة الأمريكيّة. هي جريمة أخرى إذن تزيّن السّجلّ المشرّف لكيان قام على الغصب والإرهاب فلم يكن حصار غزّة لأكثر من ألف يوم كافيا بنظر القيادة الصّهيونيّة, ولم تكن حرب السّنة الماضية كافية لتلقين غزّة درسا بسبب انتخاب حماس, ولم يكن اغتيال القادة ومطاردتهم حتّى خارج القطاع كافيا لشفاء غليل الحقد الصّهيوني على هذا القطاع ومن ورائه أمّة الإسلام قاطبة.

وكعادتها مع كلّ اعتداء, أتحفتنا القيادات العربيّة بمواقفها "المستنكرة" و"المندّدة" التي تصاعدت هذه المرّة لتصل حدّ "التّحذير شديد اللّهجة". مواقف تأخّرت في صدورها, وليس ذاك بالمستغرب, فقلّة من يستيقظون لصلاة الفجر في أمّة القرن الحادي والعشرين وكما قال شيخنا القرضاوي "من خان حيّ على الصّلاة .. يخون حيّ على الكفاح". فلا غرو إذن أن تأتي المواقف باهتة مثل مشاركة البلدان العربيّة في قافلة شريان الحياة, ولا غرو أن يكون تواطؤ بعض الحكومات مع العدو واضحا مثل تواطئها معه في حصار القطاع الأبي, ولا غرو أن يلاحظ القاصي والدّاني تلك الهوّة الشّاسعة بين مواقف شعبيّة نابضة بعاطفة الأخوّة في الله ومواقف رسميّة سليبة القرار والمرجعيّة.

نقطة بيضاء ناصعة تلك التي تسجّلها تركيا مرّة أخرى بمواقفها الجريئة وحراكها شعبا وقيادة, هي نقطة بيضاء مضيئة كوجه ذلك القائد المظفّر الذي صار في السّنوات الأخيرة رمزا إسلاميّا دولة الرّئيس رجب طيّب أردوغان. ونقاط كثيرة سوداء لا يفوقها ظلمة وسوادا إلاّ وجوه أصحابها هي تلك المواقف الرّسميّة العربيّة السّاجدة للعدو ومن ورائه بيتهم الحرام الجديد وقبلتهم الجديدة : البيت الأبيض.

علماؤنا أيضا كعادتهم حاضرون وبقوّة : مداخلة الشّيخ وجدي غنيم والشّيخ محمّد الحسن ولد الدّدّو على قناة الأقصى, مداخلة الشّيخ عائض القرني والشّيخ سلمان العودة على قناة العربيّة, ودعوة شيخنا العلاّمة الدّكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين لجعل يوم الجمعة يوما للغضب نصرة لغزّة وأهلها وروّاد الحرّيّة. مواقف مشرّفة لم تغب يوما من علماء نذروا أنفسهم لخدمة قضايا أمّتهم ولم يخشوا في الله لومة لائم. مواقف لا يفوقها إيجابيّة سوى سلبيّة بقيّة الدّعاة وأشباه العلماء ممّن اعتدنا أصواتهم عند الحديث عن خلاف فقهي حول مسائل الطّهارة والحيض والنّفاس, واعتدنا صراخهم بشعارات اتّباع الحقّ وإنكار الباطل, شعارات لا تكاد تجد لها تطبيقا عند "علماء" شهدت لهم المخابرات الأمريكيّة بالاعتدال وطلبت من الدّول العربيّة دعمهم ونشر فكرهم.

جريمة لم يتوقّعها أكثر المتشائمين, ووحشيّة – رغم كونها سمة مميّزة للعدو – لم تخطر على منظّمي الحملة كما المتابعين لها. ويبقى الأمل أن لا تمرّ مثل سابقاتها من الجرائم وأن لا تنسى الشّعوب ما حدث عند عرض الحلقة القادمة من "ستار أكاديمي" أو حفل افتتاح كأس العالم.

الأربعاء، 10 فبراير 2010

ركب الشّهيد

ركب الشّهيد

سلام على أهل الشّهادة أينما *** ذاد الموحّد عن العقيدة والحما
أهل الشّهامة والرّجولة والتّقى *** أهل الجهاد من للقتال تقدّما
أحفاد الصّحابة والأئمّة, من دعا *** لله, في الله لا يخشى لائما
من باع نفسه للإله ولم يزل *** يسعى لجنّة عرضها عرض السّما
من اشترى الأخرى بنفس عزيزة *** وقلب لم يزل بالله مستعصما

قد كان لأمّتي مثل هؤلاء منذ زمن
ولم تزل من بعدهم تتذكّر الأمجاد
والنّصر, والفتوحات..
والجهاد..
البعض, في كتب التّاريخ يقرؤونه
وآخرون, في خطب الجمعة يسمعونه
ولا يفقهونه
ولا يفهمون منه شيئا,
إلاّ الدّعاء لحاكم البلاد..
ولعلّ ذلك أغرب ما في الأمر
ففي بلداننا..
والجمع ها توصيف لواقع مرير
وليس تكريسا للتّفرّق والتّشرذم
في بلداننا يجوز الدّعاء لصاحب البنك
وهو آكل ربا,
ويجوز لك الدّعاء لمديرك في العمل
وهو الذي حرمك أحلام الصّبا,
ويجوز لك الدّعاء للشّرطي
وهو من أوقفك خارج الدّوام
بلا زيّ رسمي,
ومنعك من صلاة الصّبح
وحرمك أجر الجماعة
وأوجب عليك حلق لحيتك
وحبس أختك في البيت
واشترط لخروجها نزع الحجاب
والميوعة, والخلاعة,
في بلادنا يجيد الأئمّة فنّ الدّعاء
وأقول فنّ,
لأنّه حكر على الأتقياء
والمثقّفين..
يتلى في خطب الجمعة
فيؤمّن عليه مصلّيان
ويأبى البقيّة إلاّ البراءة
من كلّ ما يزرع شبهة في الإيمان..
غير أنّ الدّعاء لوليّ الأمر ليس بدعة
وليس من محدثات هذا الزّمان
فقد ورد فيه أمر نبوي,
وسنّة اتّبعها الصّحابة,
وإجماع أئمّة,
وقياس, واستحسان..
إلاّ أنّ الإشكال يبقى في تعريف "وليّ الأمر"
والمصطلح حمّال أوجه
فوليّ الأمر هو صاحبه
والمسؤول عنه
والمثاب والمعاقب عليه
كالأب يزوّج ابنته,
وقائد الجيش يقود فصيلته,
والحاكم يحكم رعيّته,
والقاعدة الشّرعيّة معروفة في هذا المجال
فالحاكم مطاع أبدا
ما لم يأمر بمعصية الرّحمان..
والمعصية أيضا مصطلح صعب
وخطير..
فمنه الزّنا والرّبا..
والسّرقة والكذب..
وغير ذلك كثير..
ويبقى أخطره الخذلان
يا أهل غزّة صبركم على أمّة
لا تجتمع على ضلالة
غير أنّ أولي أمرها
كاد يجمعهم العصيان..
ولغزّة في قلوب المؤمنين مكانة
لا توصف في أبيات الشّعر
ولا في سطور النّثر
فهي كما تبدو لهم أمل جديد
أمل في ميلاد أمّة
أو قل في شفاء الوليد
هي أمّة قامت لها الدّنيا في قرون خاليات
فلم تتزحزح عن ثوابتها
ولم تزل تقود الدّنيا
بنفس الشّرع والحكم الرّشيد
حتّى أتاها من أهل الضّلال كبارهم
ومن أهل الصّغار صغارهم
وصارت تسير في هذه الدّنيا
بلا وجهة ولا قبلة
ولا أب يحنو على الوليد..
فكادت تصير حطاما
لولا غزّة
ولولا كثرة من ينتظر
ليلحق ركب الشّهيد..

الأربعاء، 27 يناير 2010

إلى أخ غير شقيق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين

يتجاوز معنى الأخوّة في الإسلام القرابة الدّمويّة التي تربط شخصين ولدا لنفس الأب والأمّ لتشمل العلاقة بين كلّ شخصين شهدا أنّه لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله, بين كلّ من رضي بالله ربّا وبمحمّد رسولا وبالإسلام دينا وبالقرآن دستورا واختار لنفسه الجنّة هدفا وغاية. إلاّ أنّ هذه العلاقة تتطوّر عند من يحملون همّ الدّعوة إلى الله ونشر دينه وإعلاء كلمته لتكسر القيود الاصطلاحيّة التي يضعها أصحاب القواميس من جهة والفقهاء من جهة أخرى لتصبح واقعا يلمس في حياتهم وشعورا يغمر عواطفهم وسلوكا يضبط تعاملهم. فالفرق كبير وشاسع بين جمل تصاغ في كتب الفقه وواقع يلمس باليدين كما هو الحال بين رفاق الدّعوة والرّباط والجهاد.

وقد كان صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المثال الأسمى في تجسيد معاني الأخوّة عقيدة وفكرا, قولا وفعلا, تنظيرا وسلوكا. كيف لا وهم الذين ألّف الله بين قلوبهم "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (1) وبدّلهم بالعداوة أخوّة وبالتّقاتل رحمة وحلما "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً" (2) فتفجّرت سيرتهم عن صور برّاقة من التّوادّ والتّراحم والإخاء والإيثار, صور كانت السّبب وراء تماسك الأمّة عقودا من الزّمن وقدرتها على مواجهة ما يمكره لها أعداء الحقّ وأعطت بذلك درسا في صلابة ما اصطلح اليوم على تسميته "الجبهة الدّاخليّة".

كانت هذه العلاقة حجر الأساس في تكوين الأمّة الإسلاميّة, الأمّة التي قامت على وحدة العقيدة والفكر والسّلوك وعلى أخوّة ذات غاية واحدة لا تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان ولا تتبدّل بتنوّع الأشخاص والمجتمعات ولا تحيد عن سبيل واحد وغاية سامية ثابتة: قامت هذه العلاقة على حبّ الله والحبّ في الله والسّعي إلى رضوان الله.

وقد شهدت الأمّة الإسلاميّة عبر تاريخها أزمات عديدة ومراوحة بين الهزيمة والانتصار وبين التّقهقر والازدهار. والملاحظ أنّه كلّما شهد المجتمع فتور علاقة الأخوّة وانحرافها عن مسارها الحقيقي إمّا بالتّخلّي عن الأصل (بناء العلاقة على خلاف الأخوّة العقديّة) أو تغيّر الغاية (هدف دنيوي للعلاقة) كان ذلك المؤذّن بداية فترة التّقهقر والتّراجع والانحطاط الحضاري, والعكس صحيح. فكانت هذه العلاقة ومازالت محرارا يقاس به وعي الأمّة وتماسكها ويحدّد قدرتها على مواجهة التّحدّيات التي تواجهها "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسم بالحمى والسهر" (3). ولذلك كان سعي علماء الأمّة ومفكّريها كبيرا في ترسيخ هذه الأخوّة وتوضيح سماتها وإبراز أهمّيّتها وظهر ذلك جليّا مع دعاة الإصلاح والإحياء سلفا وخلفا واعتبروها أساسا لنهضة الأمّة ورقيّها فلم تخل كتب الفقه والفكر والتّربية من الدّعوة إلى إعادة بناء العلاقة على الأصل الصّحيح وربطها بالغاية الحقّ التي ارتبطت بها إبّان عصر النّبوّة والخلافة الرّاشدة.

أكتب هذه الكلمات وكلّي أسى ممّا أرى وألاحظ لدى شباب الأمّة من تفرّق وتشرذم وتناد بعصبيّات نبذها الإسلام واعتبرها "دعاوى الجاهليّة". كما أكتب هذه الكلمات وأنا أرى البعض ممّن يحملون همّ الأمّة على كواهلهم ينوؤون بحملهم ويتعثّرون تحت وطأة وثقل ما يحملون فيسقطون في فخاخ نصبها الشّيطان وأعداء الإسلام: فيجعلون من بعض الخلافات الفرعيّة محورا للولاء والبراء ومعيارا للإيمان والكفر وأصلا للحبّ والبغض.

إلاّ أنّ أكثر ما أخشاه وأنا أكتب هذه الكلمات لا يعدو أن يكون علاقة بيني وبين أخ, كانت الأيّام الماضية حاسمة في مفاصلة بيني وبينه على طريق الدّعوة بعد اختلاف في وجهات النّظر, فصار أخا "غير شقيق" لو صحّ المجاز, وخوفي من دسائس الشّيطان بيني وبينه فأردت أن أذكّره ونفسي أنّنا إخوة قبل هذا وبعده, فما جمعنا ثابت لم يتغيّر بين الأمس واليوم, وما جمعنا ثابت لن يتغيّر بين اليوم والغد.


1 – سورة الأنفال – الآية 63

2 – سورة آل عمران – الآية 103

3 - البخاري (5665)، مسلم (2586) عن النعمان بن بشير