بسم الله الرّحمان الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
مرّة أخرى, يضرب العدو الصّهيوني موعدا مع الغدر والخيانة والإرهاب, وتضرب الأمّة موعدا مع الغفلة والسّبات العميق. إرهاب دولة, هكذا وصف رئيس الوزراء التّركي رجب طيّب أردوغان الجريمة الوحشيّة التي اقترفتها قوّات العدو في عرض البحر أثناء اعتراضها لقافلة أسطول الحرّيّة السّاعية لكسر الحصار الظّالم على قطاع غزّة. بأسلوب يذكّر الإنسانيّة بحكايات القرصنة, أسلوب مشابه لقراصنة "جزيرة الكنز" تلك القصّة التي طالعناها في المرحلة الابتدائيّة وحملتنا في عالم من الخيال حيث القرصان أعور العين اليسرى وله يد مبتورة, مع اختلافات عميقة في الوصف هذه المرّة : فقراصنة هذا العصر لهم عوضا عن العيون أقمار اصطناعيّة, وعوض الأيدي صواريخ وقنابل وعوض السّيوف يستعملون البنادق والأسلحة الأمريكيّة. هي جريمة أخرى إذن تزيّن السّجلّ المشرّف لكيان قام على الغصب والإرهاب فلم يكن حصار غزّة لأكثر من ألف يوم كافيا بنظر القيادة الصّهيونيّة, ولم تكن حرب السّنة الماضية كافية لتلقين غزّة درسا بسبب انتخاب حماس, ولم يكن اغتيال القادة ومطاردتهم حتّى خارج القطاع كافيا لشفاء غليل الحقد الصّهيوني على هذا القطاع ومن ورائه أمّة الإسلام قاطبة.
وكعادتها مع كلّ اعتداء, أتحفتنا القيادات العربيّة بمواقفها "المستنكرة" و"المندّدة" التي تصاعدت هذه المرّة لتصل حدّ "التّحذير شديد اللّهجة". مواقف تأخّرت في صدورها, وليس ذاك بالمستغرب, فقلّة من يستيقظون لصلاة الفجر في أمّة القرن الحادي والعشرين وكما قال شيخنا القرضاوي "من خان حيّ على الصّلاة .. يخون حيّ على الكفاح". فلا غرو إذن أن تأتي المواقف باهتة مثل مشاركة البلدان العربيّة في قافلة شريان الحياة, ولا غرو أن يكون تواطؤ بعض الحكومات مع العدو واضحا مثل تواطئها معه في حصار القطاع الأبي, ولا غرو أن يلاحظ القاصي والدّاني تلك الهوّة الشّاسعة بين مواقف شعبيّة نابضة بعاطفة الأخوّة في الله ومواقف رسميّة سليبة القرار والمرجعيّة.
نقطة بيضاء ناصعة تلك التي تسجّلها تركيا مرّة أخرى بمواقفها الجريئة وحراكها شعبا وقيادة, هي نقطة بيضاء مضيئة كوجه ذلك القائد المظفّر الذي صار في السّنوات الأخيرة رمزا إسلاميّا دولة الرّئيس رجب طيّب أردوغان. ونقاط كثيرة سوداء لا يفوقها ظلمة وسوادا إلاّ وجوه أصحابها هي تلك المواقف الرّسميّة العربيّة السّاجدة للعدو ومن ورائه بيتهم الحرام الجديد وقبلتهم الجديدة : البيت الأبيض.
علماؤنا أيضا كعادتهم حاضرون وبقوّة : مداخلة الشّيخ وجدي غنيم والشّيخ محمّد الحسن ولد الدّدّو على قناة الأقصى, مداخلة الشّيخ عائض القرني والشّيخ سلمان العودة على قناة العربيّة, ودعوة شيخنا العلاّمة الدّكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين لجعل يوم الجمعة يوما للغضب نصرة لغزّة وأهلها وروّاد الحرّيّة. مواقف مشرّفة لم تغب يوما من علماء نذروا أنفسهم لخدمة قضايا أمّتهم ولم يخشوا في الله لومة لائم. مواقف لا يفوقها إيجابيّة سوى سلبيّة بقيّة الدّعاة وأشباه العلماء ممّن اعتدنا أصواتهم عند الحديث عن خلاف فقهي حول مسائل الطّهارة والحيض والنّفاس, واعتدنا صراخهم بشعارات اتّباع الحقّ وإنكار الباطل, شعارات لا تكاد تجد لها تطبيقا عند "علماء" شهدت لهم المخابرات الأمريكيّة بالاعتدال وطلبت من الدّول العربيّة دعمهم ونشر فكرهم.
جريمة لم يتوقّعها أكثر المتشائمين, ووحشيّة – رغم كونها سمة مميّزة للعدو – لم تخطر على منظّمي الحملة كما المتابعين لها. ويبقى الأمل أن لا تمرّ مثل سابقاتها من الجرائم وأن لا تنسى الشّعوب ما حدث عند عرض الحلقة القادمة من "ستار أكاديمي" أو حفل افتتاح كأس العالم.

