بسم الله الرّحمان الرّحيم
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله
شنّت القوّات الصّهيونيّة نهاية سنة 2008 حربا ضروسا مدمّرة على قطاع غزّة, اعتبرت من أشرس الحروب التي خاضتها منذ بداية الاحتلال قبل أكثر من 60 سنة. وقد كان الهدف المعلن لهذه الحرب تغيير ميزان القوّة في القطاع بتدمير القدرة الصّاروخيّة لكتائب الشّهيد عزّ الدّين القسّام (الجناح العسكريّ لحركة المقاومة الإسلاميّة – حماس) قبل أن تخفّض سقف الأهداف إلى الحدّ من هذه القدرة وتقليصها. وبغضّ النّظر عن حقيقة الأهداف المرسومة لهذه الحرب العسكريّة منها والسّياسيّة فإنّ لنا أن نسأل عن حقيقة هذه القدرة الصّاروخيّة, فهل هي مجرّد "صواريخ عبثيّة" كما سمّاها البعض؟ أم أنّها الطّرف الفلسطينيّ في ميزان الرّعب بالمنطقة؟
إنّ المتأمّل للقدرة العسكريّة لمختلف الفصائل الفلسطينيّة يميّز بوضوح صنفين من الأسلحة:
- أمّا الأوّل فهو أسلحة مستوردة (مهرّبة إلى القطاع) مصنّعة في بلدان أخرى مثل قذائف الآر. بي. جي. والهاون وصواريخ الغراد التي سجّلت حضورا نوعيّا في الحرب الأخيرة رغم محدوديّة كمّيّتها نظرا لصعوبة تهريبها إلى داخل القطاع.
- وأمّا الصّنف الثّاني فيضمّ الأسلحة المصنّعة محلّيّا مثل العبوات النّاسفة, الآر. بي. جي. والهاون (الذي استطاعت المقاومة أن تصنّعهما محلّيّا) وصواريخ الفصائل: القسّام (كتائب الشّهيد عزّ الدّين القسّام), قدس (سرايا القدس), أقصى (كتائب شهداء الأقصى) وغيرها. ويبقى صاروخ القسّام أشهر هذه الصّواريخ باعتباره الأكثر إطلاقا على المغتصبات الفلسطينيّة المجاورة لقطاع غزّة.
وصواريخ المقاومة (محلّيّة الصّنع) ومنها صاروخ القسّام طبعا تتميّز بقصر مداها (لا يتجاوز 15 كيلومترا) وضعف قدرتها التّفجيريّة (لا تتعدّى 5 كغ من المتفجّرات) ممّا يجعلها أشبه بالألعاب النّاريّة إذا ما قارنّاها بما يستخدمه جيش الاحتلال من صواريخ مدمّرة طويلة المدى وقنابل من مختلف الأصناف حتّى المحظورة منها (القنابل الفوسفوريّة) والتي ما زالت في طور الاختبار (قنابل الدّايم). ولعلّ مثل هذه المقارنات تؤدّي إلى رضوخ البعض من أصحاب النّفوس الضّعيفة والقلوب المريضة والانهزاميّين وركونهم وتقاعسهم عن نصرة المقاومة ودعمها كما يصل بالبعض الآخر إلى درجة مهاجمة هذه المقاومة وطعنها من الخلف.
والحقيقة أنّ هؤلاء لم يدركوا بعد أنّنا في القرن الواحد والعشرين ولسنا في القرون الوسطى وأنّ زمن الانتصارات التي تقاس بعدد الضّحايا قد ولّى إلى غير رجعة. ينسى هؤلاء أو يتناسون أنّه ومثلما يرتبط قرار الحرب والسّلم بالإرادة السّياسيّة, فإنّ قوّة الأسلحة وقدرتها تقاس بفاعليّتها السّياسيّة وبتأثيرها على صناعة القرار. ينسى هؤلاء أو يتناسون إرادة الشّعب المغتصبة أرضه أمام إرادة المحتلّ والمستوطن, فبينما تجد الأوّل مستعدّا لتقديم آلاف بل وملايين الشّهداء والمصابين دون أن يتحرّك أو يتراجع قيد أنملة, تجد الثّاني يفرّ إلى أقصى الأرض بمجرّد سماع صفّارات الإنذار. وهذه الحقيقة ليست سلوكا طارئا لدى المحتلّ, بل هي ثقافة راسخة عند المستوطنين منذ بداية الانتداب البريطانيّ في فلسطين وقد ظهرت واضحة للعيان في حرب 2006 بجنوب لبنان وتجلّت أكثر في ملحمة الفرقان بغزّة: فبينما انهمرت آلاف الأطنان من المتفجّرات على القطاع, وحرقت القنابل الأخضر واليابس, وفجّرت الصّواريخ المنازل والمساجد والإدارات وحتّى مؤسّسات الإغاثة, جاهد الفلسطينيّون للبقاء على أرضهم, بل إنّ من خرج منهم عبر معبر "رفح" لتلقّي العلاج عاد إلى غزّة أثناء الحرب وتحت "الرّصاص المصبوب", وفي الجهة المقابلة, كان سقوط بضعة صواريخ "بدائيّة الصّنع" على بعض المغتصبات كافيا لإيقاف كلّ مظاهر "الحياة" فيها: إخلاء المدارس والمؤسّسات والمصانع, اختباء في الملاجئ المحصّنة تحت الأرض وأكثر من ذلك "نزوح" نحو المناطق الأكثر عمقا والأكثر بعدا والمتواجدة خارج مدى الصّواريخ.
إنّ هذه الثّقافة الاستشهاديّة لدى المواطن الفلسطينيّ مقابل ثقافة الجبن لدى المحتلّ هي ما جعلت من الصّواريخ الفلسطينيّة سلاحا فعّالا وضاغطا على حكومات العدوّ وأسّست لما يسمّى "ميزان الرّعب" بين الجانبين: حيث صار العدوّ الصّهيونيّ يحسب لتلك الصّواريخ ألف حساب قبل أن يقدم على أيّ عمل أو أيّ تدخّل عسكريّ في القطاع.
إنّ الضّغط السّياسيّ الذي أوجدته صواريخ المقاومة على الدّاخل الصّهيونيّ أعاد إلى الأذهان النّقاش المفصليّ حول مفهومي النّصر والهزيمة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ هذا النّقاش ليس مستحدثا, فحتّى في الحرب العالميّة الثّانية كان عدد الضّحايا في كلّ من فرنسا وبريطانيا أكبر من أن تعلنا انتصارهما بنظر البعض. ولكن المنطق والزّمان صارا يؤكّدان ما يلي: إنّ إعلان أيّ حرب من طرف كيان على آخر يرتبط أساسا بمجموعة من الأهداف العسكريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة وانتصار هذا الكيان المهاجم يبقى رهينا بتحقيق تلك الأهداف أو المهمّة منها على الأقلّ. وعدم تحقيق هذه الأهداف يعني هزيمة هذا الكيان وانتصار خصمه في المعركة. بهذا المفهوم, وهذا التّعريف, ومن هذا المنطلق, تتوضّح للجميع نتائج الحرب الأخيرة على غزّة, فحتّى إن لم نعلم كلّ الأهداف المرسومة لها, فإنّنا نعلم أنّ أهمّها ونعني بذلك تجريد المقاومة من قدرتها الصّاروخيّة وإنشاء "وضع أمنيّ جديد بالمنطقة" لم تتحقّق بل وضربت الفصائل وبهذه الأهداف عرض الحائط عندما استمرّت في إطلاق الصّواريخ حتّى بعد توقّف القتال وانسحاب جيش العدوّ ! ولذلك فنحن نتمسّك بهذا الانتصار ونحتفل بهذا الانتصار وننشد لهذا الانتصار: اضرب صاروخ القسّام !
