بسم الله الرّحمان الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
إنّ الدّارس لمجتمعنا وخاصّة لفئة الشّباب التي تمثّل فيه الأغلبيّة يلاحظ مدى التّخبّط والضّياع والهامشيّة التي يعيشها الشّابّ التّونسي والتي تعود أساسا إلى غياب فهم واضح لهذه الحياة: ماهية الإنسان ودوره فيها والغاية التي يحيا لأجلها. ولعلّ أهمّ مظاهر هذا الفراغ الشّعور العميق باليأس والإحباط وهو ما يظهر في الارتفاع المتواصل لحالات الانتحار والرّغبة الكبيرة –لدى الشّابّ التّونسيّ- في ترك وطنه والهجرة إلى أوروبا (الحرقان كما يسمّى في تونس) رغم المخاطر المتزايدة لهذه العمليّة ورغم الإجراءات الزّجريّة والرّدعيّة التي اتّخذتها دول الضّفّة الشّماليّة للمتوسّط.
وتتجاوز نتائج هذا التّخبّط ما ذكرناه سابقا لتشمل بعض النّزعات السّلوكيّة التي ما فتئت تنتشر في مجتمعنا لتصبح أمراضا اجتماعيّة تهدّد مستقبل تونس وشعبها ! والمقصود هنا السّلبيّة التي صارت تميّز الشّابّ التّونسي وتؤدّي إلى تقاعسه عن أداء واجباته (عمل, دراسة) وتلهيه عن تنمية مكناته وقدراته وفكره وثقافته. إنّه وقت الفراغ الذي يمتدّ لساعات وأيّام وشهور وسنوات, إنّه ذلك الوقت الذي يمضي سدى دون أن يستغلّه الإنسان لا في علم ولا عمل ولا ثقافة ولا ترفيه ولا حتّى في راحة ! هو وقت يمضي إلى غير رجعة ويتمثّل في ذاكرة الإنسان "ثقبا أسود" لم يشعر فيه أنّه حيّ لأنّه, وببساطة لم يعشه حقّا. والحقيقة أنّ هذا الفراغ يفسّر عدّة ظواهر أخرى في مجتمعنا وأبرزها ما لحظناه في السّنوات الأخيرة من انتشار للمقاهي واكتظاظها بشباب يمضي يومه في مراقبة المارّين ولعب الورق وتحليل نتائج البطولة التّونسيّة لكرة القدم والبطولة الإيطاليّة والاسبانيّة وحتّى بطولة القسم الرّابع في مدغشقر ! أو تراه يناقش واقع الفنّ من منظور نقديّ عميق فيقارن بين "المزود" و"الرّاي" وبين "فنّان" وآخر. هذه عيّنة من اهتمامات شابّ لم يجد لحياته معنى ولم يدرك لوجوده غاية.
إنّ مقارنة الشّابّ التّونسي بنظيره في البلدان المتقدّمة تكشف اتّساع الهوّة بينهما, والمتّعمّق في دراسة أسباب هذا التّباين يجد نفسه في مواجهة حقيقة مهمّة طالما حاولنا إغفالها, فما يصنع هذا التّباين في حقيقة الأمر ليس التّفوّق المادّي ولا التّقدّم التّكنولوجي والتّقني, بل ذلك هو النّتيجة المنطقيّة لتباين في تصوّر "العلم" و"العمل" وشتّى مجالات الإنتاج الفكري والثّقافي والأدبي. فالإشكال كما بيّنّا ثقافي بالأساس, فلسفي في غياب تصوّر واضح للحياة ومعانيها, فكري في غياب التّكوين الرّوحي والنّفسي للشّاب. إنّ المخيال الشّعبي التّونسي أنتج في السّنوات الماضية ثقافة سلبيّة من تجلّيّاتها ما نسمعه من جنس "تقرا ولّا ما تقراش, المستقبل ما ثمّاش", شعارات تثبّط عزائم المجتهدين وتحبط الطّموحين وتجعل من التّلميذ النّجيب منبوذا في الوسط التّلمذي, ومن الطّالب المجتهد غريبا في الوسط الطّلاّبي ومن العامل المواظب استثناء في الوسط العمّالي... لقد أفرزت سنوات ما بعد الاستقلال في تونس عقليّة يأس وإحباط وقنوط غذّتها أحداث محلّيّة وعالميّة وانتشرت لتكوّن الثّقافة الشّعبيّة لدولة من دول العالم الثّالث مازالت تبحث عن بوصلة التّقدّم والرّقيّ ومازالت في بدايات سعيها لاستدراك قرون الرّكود والتّخلّف عن ركب الحضارة, فكان أن تخلّى عنها أبناؤها بقصد وبغير قصد وقايضوها بجلسات المقاهي ومقابلات كرة القدم وحفلات "ستار أكاديمي".
والحلّ, رغم بداهته, لم يفعّل لدى السّواد الأعظم من الشّعب التّونسي. وليس هذا القول لتثبيط العزائم والهمم ولكنّ استنهاض الشّباب لما فيه خيرهم وخير وطنهم وأمّتهم يستلزم معالجة عميقة للفراغ الثّقافي الذي سبّب هذا التّراخي كما يستلزم موقفا صارما من المروّجين لهذه الثّقافة الانهزاميّة ومن منابع تدفّقها. والموقف الصّارم الذي نقصده هو توفير البديل الفكري القادر على إعادة رصّ الصّفوف وتوحيد الجهود في معركة التّقدّم والرّقيّ. ولا بدّ من حماية المجتمع وخاصّة النّاشئة من هذه الرّواسب الفكريّة ومن ثقافة "اللاّثقافة": فهل يعقل أن يكون طموح أطفالنا كرة القدم و"ستار أكاديمي"؟ وهل يعقل أن تكون هيفاء وهبي وإليسّا قدوة لبناتنا وأن يكون لاعبو كرة القدم قدوة لأبنائنا؟ إن كانت الثّروة البشريّة هي كلّ ما يملكه هذا الوطن, فهل يعقل أن نعهد بها إلى أحضان المهرّجين ليصقلوا مواهبها ويفجّروا طاقاتها الإبداعيّة؟
لا يسعني ختاما إلاّ التّذكير بأسس النّجاح وهو الإخلاص في العمل والمثابرة : "وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب". صدق الله العظيم.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هل يعقل أن يكون طموح أطفالنا كرة القدم و"ستار أكاديمي"؟ وهل يعقل أن تكون هيفاء وهبي وإليسّا قدوة لبناتنا وأن يكون لاعبو كرة القدم قدوة لأبنائنا؟ إن كانت الثّروة البشريّة هي كلّ ما يملكه هذا الوطن, فهل يعقل أن نعهد بها إلى أحضان المهرّجين ليصقلوا مواهبها ويفجّروا طاقاتها الإبداعيّة؟
ردحذفكلام جميل
بورك قلمك
تحياتي