الثلاثاء، 17 فبراير 2009

في عيد ميلادك الخمسين

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى

إنّ المتأمّل للموارد الطّبيعيّة للبلاد التّونسيّة من مخزون طاقة وموادّ أوّليّة ومناخ وتضاريس وغيرها, يفاجأ بضعف تلك الموارد ومحدوديّتها, خاصة إذا تمّت مقارنتها بالبلدان المجاورة (ليبيا والجزائر). ولعلّ محدوديّة هذه الموارد جعلت تونس ومنذ الاستقلال تتّجه إلى بدائل ترتكز عليها في التّنمية وفي مسيرة التّطوّر والتّقدّم, فكان أن اختارت تونس التّركيز على طاقاتها البشريّة ممثّلة أساسا في الشّباب التّونسيّ الذي يمثّل نسبة هامّة من مجموع السّكّان في مجتمع حافظ على فتوّته رغم سيطرته على الانفجار السّكّانيّ ونجاحه النّسبيّ في معالجة المشاكل الدّيمغرافيّة. ولا يختلف اثنان حول الدّور المحوريّ الذي لعبته الجامعة التّونسيّة منذ تأسيسها إبّان الاستقلال في تكوين الإطارات والكفاءات العلميّة التي ساهمت في بناء الدّولة التّونسيّة الحديثة وكانت من أهمّ ركائز ومقوّمات التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة لتلك الدّولة الوليدة. إلاّ أنّه وبعد مرور خمسين سنة على تأسيس هذه الجامعة, صار من الواضح أنّها, وبتراكم الأزمات والنّكسات, فقدت ذلك الدّور المحوريّ وغابت عنها تلك الشّمعة المضيئة التي طالما قادتها في ربيعها. إذ أضحت هذه الجامعة أقرب إلى المؤسّسة الاقتصاديّة منها إلى المؤسّسة التّربويّة: فصار نجاحها يقاس بعدد الطّلبة "المستوعبين" في أروقتها بدل عدد الطّلبة المتغذّين من منابعها, وبعدد الطّلبة النّاجحين فيها لا عدد الطّلبة المتكوّنين بها, وعدد الأساتذة والمدرّسين لا عدد المبدعين على مدرّجاتها. صارت جامعتنا مؤسّسة لإحصاء عدد النّاجحين في الباكالوريا ثمّ تخريج عدد أقلّ منهم ب"شهادات" أشبه ما تكون بعدّادات السيّارات: تخبرك بعدد الأميال المقطوعة ولكنّها لا تستطيع أن تدلّك على الطّريق الذي سلكته فضلا عن ذلك الذي ستسلكه في المستقبل. فهل يمكن أن ننكر أنّ خرّيجي جامعتنا صاروا أقرب إلى آلات قادرة على تنفيذ أوامر دقيقة ومحدّدة (قد تكون صعبة) دون قدرتهم على فهم أسبابها وتحليلها؟ هل يمكن إنكار التّصحّر الثّقافيّ والفكريّ, فضلا عن اختلال ميزان القيم, الذي يعيشه طلبتنا وخرّيجو جامعتنا على حدّ سواء؟ هل يمكن التّغاضي عن كون جامعتنا, وفي سنة خمسينيّتها, صارت تهدف إلى إعداد موظّفين لا مثقّفين؟

إنّ الفرق بين جامعيّ متخرّج من كلّيّة تونسيّة وآخر من إحدى الدّول المتقدّمة علميّا وتربويّا يتلخّص في تلك الملكة المهمّة, تلك الخاصيّة الإنسانيّة بامتياز, في تلك الخصلة الفريدة التي تتعدّد لها التّسميات: الإبداع, الابتكار, التّجديد,... إنّها تتلخّص في ذلك الفرق الجوهريّ رغم بساطته, ذلك الخيط الرّفيع الذي يفصل بين العلم والثّقافة, وبين التّعليم والتّربية. إنّه في جوهره نفس الفرق بين الإنسان والآلة, بين عقل الإنسان والحاسوب, بين الذّكاء البشريّ والذّكاء الاصطناعيّ. إنّه كلّ ما يتّصل بالرّوح والإحساس, بالفنّ والقيم, بما يتجاوز المصطلحات إلى المفاهيم, ويتجاوز المبنى إلى المعنى. قد تستطيع آلة أن تخلط الألوان بمقادير دقيقة لإنتاج لون معيّن ولكنّها لم ولن تستطيع أن تقرّر جمال اللّون أو قبحه ! قد يستطيع حاسوب أن يطبّق نظريّة بيتاغور ليحسب طول الضّلع الثّالث لمثلّث قائم, ولكنّه لم ولن يستطيع أن يستنبط نظريّة بيتاغور ! كذلك بات واضحا أنّ روّاد جامعتنا وخرّيجيها قادرون على آداء وظائفهم في الشّركات والمصانع والإدارات وغيرها ولكنّهم عير قادرون على إنشاء تلك المؤسّسات, غير قادرون على ابتكار منتج جديد, غير قادرون على حلّ مشاكل مجتمعهم وبلادهم, غير قادرون على التّأسيس لوطن اسمه تونس قادر على الاندماج في عالم يزداد تأزّما يوما بعد يوم.

إنّ وضعيّة الجامعة التّونسيّة تقتضي تدخّلا عاجلا من كلّ الأطراف المعنيّة من طلبة ومدرّسين وإداريّين وصنّاع قرار, تدخّل يعيد إلى الجامعة مجدها ويعيد للمنارة ضوءها وللشّعلة نارها وبريقها. تدخّل يعيد للجامعة مجدا ضحّى من أجله شعب كامل ودفع له ثمنا باهظا قبل الاستقلال وبعده وناضلت من أجله أجيال تمسّكت بهذا الوطن ولم ترض له بديلا. نريد للجامعة أن تقوم بدورها وتؤدّي واجبها وتؤسّس لجيل من الشّباب قادر على الانطلاق نحو الرّقيّ والتّطوّر والازدهار مع التّمسّك بهويّته وحضارته وثقافته, قادر على إصلاح بوصلة هذا الوطن وقيادته نحو نهضة حقيقيّة تمسّ كلّ جوانبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة, قادر على إنجاز مهمّته في هذه الدّنيا وتحقيق معنى استخلافه في الأرض.

هناك تعليق واحد:

  1. Je suis d'accord avec toi dans le faite que l'université tunisienne se contente de former les étudiants de les rendre capables de faire ce qu'on leur demande sans se poser des questions, Mais , et comme tu la si bien dit ils sont devenu incapable de "crée" et de penser de manière créatif.
    Et je doute fort que l'état n'a pas conscience de cette réalité, plus grave encore je crois que c'est un but qu'il se sont mis en tête: rendre le peuple incapable d'agir de lui même incapable de penser donc incapable de se révolté ,de montré sont mécontentement et de être conscient de son état. Ils essayent même de contrôle l'esprit des jeunes en leurs fessant transmettre des idées qui servent leurs causes et le meilleur exemple notre prof de français.
    En un mots il ne faut pas s'attendre à grand choses de la part de l'université tunisienne il faut savoir se cultiver soit même.

    ردحذف